اليوم : 3 أكتوبر , 2021

أفغانستان بين تطوّرات الحاضر ومسؤوليات المستقبل

أفغانستان بين تطوّرات الحاضر ومسؤوليات المستقبل

هاجمت أمريكا أفغانستانَ وأجلبت عليها بخيلها ورجلها، بحجة محاربة الإرهاب. ولم تأل جهدا فيما قصدت من قصف وتدمير وإبادة وإهانة مختبرةً أسلحتها مجرّبة أجهزتها، وقتلت آلافا من الرجال والنساء والولدان، دون تفريق بين السليم والمريض، والغني والفقير، والكبير والصغير، وهدمت المساجد والمدارس ودور التعليم ومراكز التربية والثقافة، وشاركتها في مشروعها المشؤوم أكثر دول العالم سيما حلفاؤها وخلفاؤها والراقصون بإشارتها، كما ساعدها جلاوزتها من الأفغان، من المتملقين والخونة والظالمين والمنافقين.
لعل أمريكا خططت لبقاءها في أفغانستان وامتصاص خيراتها وإغارة ثرواتها لمدة طويلة. ولا يعزبن عن البال أن الله تعالى متّع بلاد أفغانستان بنعم كثيرة وثروات هائلة من البترول والأحجار الثمينة وينابيع الغاز وغيرها. ولم يدر في خلد أحد ممن آمن بالقوة المادّية وأيقن بالطاقات البشرية في ضوء التجارب الحديثة أن أمريكا تنهزم يوما، ثم تعترف بهزيمتها وتخرج من أرض أفغانستان بخفي حنين، ذليلة مهينة خائبة، ولكن الله حقق ما شاء.
وقد تنبّأ الرجل المجاهد العصاميّ المؤمن الملا محمد عمر، عندما استولت أمريكا على أفغانستان قائلا: _(سوف نعطي أمريكا درسا لا تنساه).
إن الذين سمعوا مقولة الرجل المؤمن، آنذاك تعجبوا، ومنهم من استهزأ ومنهم من كذّب وظن هذا ضربا من الخيال، فلم تمض عشرون عاما إلا وقد شاهد العالم السجناء الطرداء بالأمس جالسين على طاولة المفاوضات، وجها لوجه مع الأمريكان، ففرح المؤمنون وحزن الآخرون من المنافقين والظانيّن بالله ظن السوء. هكذا تجلت إرادة الله وقدرته وهو العليم القدير، ولنعم ما قال عزّ من قائل: كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ. وقال في مقام آخر: إِن يَنصُركُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُم ۖ وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذي يَنصُرُكُم مِن بَعدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ.
إن كاتب هذه السطور لما رأى الأمريكان عند مغادرتهم قواعد بغرام، وهم يخرّبون بيوتهم ويجمعون أثاثهم وما جاءوا بها من إمكانيات هائلة حديثة -وقد زار ترامب وأشياعه هذه القواعد- تذكر هذه الآية من كتاب الله المعجز: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ.
غني عن القول أنهم لم يبنوا هذه القواعد ليتركوها بعد عشر سنين بل بنوها ليحكموا أفغانستان ويوسّعوا سيطرتهم على الدول المجاورة وعلى الشرق الأوسط ليفسدوا فيها، جاعلين أعزة أهلها أذلة، فاعلين فيها ما يشاؤون، ولكن الله خيّب آمالهم وخرّب بنيانهم وجعلهم عبرة لمن خلفهم.
إن التاريخ تكرر وإن العالم المعاصر شاهد، كيف خرج الطغاة الغاشمون من أفغانستان خائبين نادمين بعد أن أنفقوا أموالا باهظة وتحملوا خسائر فادحة في الأموال والأرواح، ولم يحصدوا في أفغانستان إلا مقتا في القلوب ونفرة في النفوس وسوء سمعة بين الشعوب.
وينبغي لنا العودة إلى أعتاب الماضي مستحضرين المقولة الشهيرة آنذاك: “إذا قيل لك التّتار انهزموا فلا تصدّق” وهكذا المعجَبون بقوة الأمريكان وبكبريائهم اليوم فهم يقولون: «إذا قيل لك إن الأمريكان انهزموا فلا تصدّق». ولكن صدّق أنت، كما سيصدّق الجميع بأن الطاغوت الأمريكي انهزم وافتضح في أفغانستان. وسوف يأتي يوم يشهد العالم فيه انهيار الولايات المتحدة الأمريكية وتحولها إلى أثر بعد عين. وليس انهيار الاتحاد السوفيتي عنكم ببعيد.
أجل، انهزمت أمريكا وولّت عساكرها مدبرين صاغرين وساءت سمعتهم في العالمين. وانتصر المظلومون المضطهدون وأورثهم الله أرض أفغانستان وعرشها، فينظر كيف يعملون. ولا ريب أنهم خرجوا من ابتلاء ودخلوا في ابتلاء أكبر منه. وتوجهت إليهم مسؤولية عظيمة إذ يلتفت إليهم البعيد والقريب والعدو الصديق كيف يديرون البلاد وكيف يعمّرون الأرض بعد خرابها وكيف يطبّقون الشريعة الإسلامية وكيف يعاملون أهلها، وكيف وكيف…؟ إذن لم ينته الجهاد بل جاء أوان جهاد هو أكبر وأجلّ من الجهاد الأول.

إنكم في رباط دائم أيها الأفغان
هناك نقاط مهمة يجب أن ينتبه لها أهل أفغانستان، لأنها مما يضمن لهم العزة والكرامة ويسبب لهم النصر والثبات.
الأولى:
التوجه إلى الله تعالى بالشكر والتقوى والابتعاد من الإعجاب والغفلة والكبرياء. وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‌ .
النقطة الثانية:
إن الإسلام دين كامل خالد معتدل، وهو بمعزل عن التطرف والتنطّع، والغلو والعنف. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطّعون. وقال الرب سبحانه: وَكَذٰلِكَ جَعَلناكُم أُمَّةً وَسَطًا. وقال لأهل الكتاب: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ. (رواه مسلم).
ولا شك أن هناك أمورا ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والأحوال، وأمور أخرى هي قابلة للتغيير اقتضاءً لتحقيق لرفق. إذن لا بد من التمييز بين هذا وذاك. ولا يقدر على ذلك إلا جهابذة العلم والفراسة والدراية، ولا مبرر للجمود والإصرار على بعض المفاهيم كما يجب الثبات والاستقامة على بعض المبادئ والأصول الثابتة التي لا تقبل التغيير.
مما يتطلب الاستفادة من آراء ذوي العلم والخبرة من الرجال ودعوتهم إلى أفغانستان وعقد مؤتمرات لهذا الهدف، يحضرها الراسخون في العلم، القادرون على الاجتهاد بشأن القضايا المعاصرة المتعلقة بإدارة الحكومة في ضوء الشريعة الإسلامية.
الثالثة:
الاحترام لأصحاب التخصصات والكفاءات؛ لأن عالمنا المعاصر يختلف عما كان في القديم فاليوم ظهرت اختصاصات ومهارات وفنون لها أهلها رجالها، فلا بد من الاستفادة منهم في مجالاتهم الخاصة، الأمر الذي يوجب التقدم والعمران ويسبب الرقي والازدهار سيما في مجالات العلم والاقتصاد والرفاهية وتوفير الإمكانيات الحديثة، والحذر كل الحذر من توسيد الأمر إلى غير أهله، إذ يوجب ذلك الضغينة، ويفقد الثقة، ويسبب تهجير الأدمغة القوية والرجال النوابغ إلى بلاد الكفر والفساد. كما شاهدنا ذلك في بعض الدول التي غلبت فيها العنصرية والتمييز والعصبية والحزبية فجرّت ويلات وآفات للبلاد.
الرابعة:
إن أهم شيء في حياة الأمم الراقية ذات الرسالة الخالدة الاهتمام البليغ بالتعليم والتربية؛ ولا ريب أن ما ينفق على تعلم أبناء الشعب وتربيتهم لا يعد تكلفة وإنما هو استثمار وخطوة عظيمة نحو التقدم والرقي.
إن معظم البلاد الإسلامية قصّرت في تعليم أبناء الأمة وتربيتهم وفق المعايير الإسلامية، إن المناهج التعليمية والتربوية في البلاد الإسلامية مستوردة من الغرب اللاديني ولا تناسب الشخصية الإسلامية ولا تصنع رجالا أكفاء، يعيدون للأمة الإسلامية مجدها التليد وعزّتها المنشودة.
إذن لا بد من اجتهاد في هذا المجال والاستعانة بذوي الخبرة من الرجال في حقل التعليم والتربية في البلاد الإسلامية والمعنيين بشأن مستقبل المسلمين. كما يجب الاهتمام بشأن تطوير المعاهد الدينية القديمة وإصلاح مناهجها، ليتخرج فيها رجال أكفاء مؤهّلون في العلوم الإسلامية بجميع شعبها. وعند ذلك تحتل أفغانستان مكانة مرموقة في العالم الإسلامي، ولسوف يؤمّها الأقاصي والأداني من أبناء البلاد الإسلامية. وعليه فلا بدّ للإمارة الإسلامية بذل قصارى جهودها لمنع هجرة أبنائها واستعطاف العلماء، وإن كلّفتها ذلك تكلفة باهظة.
ومن الجدير بالذكر أن الدول الكبرى التي تدّعي الزعامة في مجالات العلم والتحقيق والدراسات الواسعة هي التي تخصص أكبر ميزانية للعلوم والأبحاث.
وكما تفيد التقارير إن الولايات المتحدة الأمريكية تصرف 3% من ميزانيتها الكلية على البحث العلمي، واليابان وآلمانيا تصرفان 2.5% من ميزانيتهما على الأبحاث العلمية، وبريطانيا وفرنسا تصرفان 2 إلى 3% في هذا المجال. أما البلاد الإسلامية والعربية فإن المخصص من ميزانيتها للبحث العلمي 1% أو أقل من ذلك. فلا ترى في هذه البلاد رقيا علميا مرموقا، ولا اختراعات حديثة ولا شيئا جديدا يبهر العقول والأبصار، وجُلّ ما نشاهده التخلف والعجز والفقر والبؤس، والاستهلاك لا الإنتاج، والتوريد لا التصدير، وكانت النتيجة أن لا يرغب أحد ممن رزق النبوغ أن يبقى في هذه البلاد ولا يرغب أحد ممن في الدول الأخرى أن يومّها، ولا قيمة للشهادات والمؤهلات العلمية الصادرة في جامعاتنا عند الدول المتقدمة والراقية.
وفي الأخير نتمنى النجاح للنظام الجديد وندعو الله سبحانه وتعالى أن يوفق الذين بأيديهم مقاليد الأمور لما يحبّ ويرضى من القول والفعل والنية.
ولعلّ اللهَ يُحدِثُ بعد ذلك أمرًا.

المصدر: مجلة “الصحوة الإسلامية” الصادرة شهريا عن جامعة دار العلوم زاهدان – إيران / العدد ١٥٤

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات