اليوم : 27 ديسمبر , 2020

الإرهاب الأعمى الهادف

الإرهاب الأعمى الهادف

السؤال الأصلي الذي يٌطرح، “لماذا قٌتلت كريمة البلوشي في إحدى أكثر دول العالم حرية، وفقدت حياتها بطريقة مشبوهة؟”، والسؤال الأهم “لماذا الروايات المتضادة لا تنحصر في قضية التصفية الجسدية لإنسان حر وإنما تتعدی إلی اغتيال شخصيته؟”
لقد تكونت اتجاهات متضادة حول تصفيتها الجسدية، نشير إليها:
۱- السيدة “كريمة البلوشي” انتحرت.
هذه الرواية المطلوبة لدی المخابرات الأمنية الباكستانية، بحيث تسعی في ترويجها في أوسع نطاق ممكن، حيث تؤكد علی مقولة “انتحرت”، وأنها جاسوسة المخابرات الهندية را (raw).
۲- لم يكن اغتيال وکانت حادثة.
هذه الرواية مطلوبة لدی الشرطة الكندية، للهروب من أعباء المسؤولية.
۳- اغتيلت السیدة كريمة.
وهي الرواية العامة المقبولة لدی القومية البلوشية.
توجد شواهد كافية تؤيد هذه الرواية التي تقول بأن موت سيدة مناضلة شجاعة وصلت إلی مستوی القيادة في منظمة فكرية ذات اتجاه مدني في بلوشستان الشرقية کمنظمة الطلاب البلوش bso كان اغتيالا مخططا وهادفا.
اغتيل قبل هذا “ساجد حسين” الصحافي الذي كان ينتمي إلی نفس المدينة التي تنتمي إليها “كريمة”، في السوئد بطريقة مماثلة، وكان ضحية الاختفاء القسري والقتل والتمثیل، وترك الجثة في نهر بعيد. اغتيل الصحافي المذكور بنفس الأسلوب الذي اغتیلت كريمة تماما.
واجه كلاهما قبل الاغتيال رسائل تحذير وإرعاب من جهة المخابرات الباكستانية المروعة، تخيرهما بين التخلي عن النشاطات المفشية للحقائق والموت. کانت الشرطة الكندية علی علم بهذا، فالسيدة كريمة أبلغتها عن التهديدات التي وجهت إليها قبل اختطافها.
لذلك تزيد رواية الشرطة الكندية التي جعلت الاغتيال مجرد حادثة، في الإبهامات الموجودة في هذه القضية، ويستغرب جدا أن تكون علة الوفاة غير معلومة لشرطة كندا، فالتقانة الطبية المعاصرة بإمكانها أن تكشف عن علل الموت تماما.
يخيم علی كشف الحقيقة وحقيقة القتل، الظل الثقيل للسياسة والمصالح السياسية المتنوعة الأطراف لكل من دولة كندا، والصين، وباكستان، وإن بيان الحقيقة يصطدم مع المنافع التجارية والسياسية للبلاد الثلاث.
التصفية الجسدية لكريمة البلوشي واغتيال شخصيتها مرتبطان بمشروع ميناء جوادر، وطريق وحزام، والذي قامت الصين بإجرائه في مشروعها التوسعي في تبت ضد البوذية، وفي تركستان ضد الإيغور، والآن تريد تكرارها في بلوشستان الشرقية.
بإمكاننا اختصار هذه الاستراتيجية في جملة وهي التجربة الصينية: “التطور بغير السكان المحليين”.
في هذا المشروع تشكل في أرض بلوشستان تحالف استراتيجي بين الصين والجيش الباكستاني، والبيوقراطية التي تسيطر عليها القومية البنجابية، كالقوميّة ذات الأغلبية في باكستان.
استخدمت الصين ثمانين ألف شخص ما بين عسكريين وغيرهم في مشروع cpac، والجيش أدخل أربعين ألف شخص في العمل، خمس وعشرون ألف من هذا العدد هم الجنود الذين يتولون حماية هذا المشروع من منطقة “دیره اسماعیل خان” حیث یدخل المشروع أراضي بلوشستان الشرقية إلی ميناء جوادر.
إبعاد البلوش من هذا المشروع التطويري أثار التيار القومي البلوشي في جهتين:
1-التيار القومي الذي يميل إلى الحرب المسلحة والانفصالية، كجيش تحرير البلوش، وعدد من الجماعات المسلحة، والتي لها جذور في النظام القبائلي.
لدى الجيش الباكستاني تجربة كافية في كيفية قمع مثل هذه الحركات، وقد اتخذت تجاهها سياسة العصا والجرزة، وليست قلقة على مثلها، فلديها ثقة زائده بقوتها العسكرية وبقوة حليفتها.
2-التيار المتنامي والمطالب للمجتمع المدني في الشعب البلوشي، والذي له جذور في الجماهير المهمشة من الشعب البلوشي؛ تيار جماهيري تولت قيادته الطبقة المثقفة في المدن، ويمثّلها الطلبة والمثقفون الجامعيون للبلوش.
استراتيجية باكستان تجاه هذا التيار الذي يحسبه أخطر من الحركات القبائلية بسبب ماهيته الجماهيرية، كانت سياسة «اختطف، عذّب، وارم بالجثث المشوهة على الطرقات والشوارع على مرأى من الناس ليكونوا مرعوبين».
كريمة البلوشي، السيدة الشجاعة من منطقة كيج كانت تنتمي إلى هذا الجيل، الجيل الباحث السائل الذي یفشي جرائم الجيش المخططة ومخابراته المروّعة.
هذه الحركة في منظور أصحاب السلطة والقدرة أخطر ممن يحملون السلاح، يمكن كبت الأشخاص المسلحين من غير ضجيج ولا ضوضاء، ولكن لا يمكن المواجهة مع جيل له تواجد في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
استراتيجية «اختطف، وعذّب، واترك الجثث على الطرقات والشوارع ليراها الناس» حصاد هذا الواقع، وقد تعقدت مع مرور الزمن، ولقد وصلت من بلوشستان وداخل باكستان إلى بلاد أخرى أيضا. والعلة في ذلك أن أصحاب الحركة الهادفة والنشاط المدني، حينما يضيق عليه النطاق، يلجأون للهجرة إلى العالم الحر والذي يدعي حقوق الإنسان. العمل الذي توسل به “ساجد حسين” و”كريمة البلوشي”، وظلوا متمسكين بشعبهم وحقوقهم المهضومة في المهجر، وواصلوا نشاطهم لبيان الحقائق وإفشائها.
أصحاب المنافع في ميناء جوادر مستوحشون من هذه الإفشاءات.
إن اغتيال المخالفين في الخارج، ذروة من الوحشة عن إفشاء الجرائم التي أبقيت خفية مستترة. منذ الزمن الذي استطاعت الصين أن تحل بخداعها الذكي محل الشركة السنغافورية الرابحة في مزايدة بناء ساحل مکوران في بلوشستان الشرقية إلی الآن، اختطفت آلاف من الرجال والنساء البلوش من بيوتهم، بذرائع مختلفة ومن غير أدنی تدخل منهم في التطورات الجارية، ثمّ تركت أجسادهم المشوهة الممثلة بها في الشوارع والطرقات والبوادي. وكان الهدف من هذه الاستراتجية صناعة الوحشة والإرعاب العام، والآن تعدت هذه الاستراتيجية إلی خارج الأراضي الباكستانية. فكانت السيدة كريمة ضحية هذه الاستراتيجية ولكن لن تكون آخرها.
تنحصر حرية الانتخاب للمعارضين البلوش في منظور الأجهزة الأمنية الباكستانية بين خياري السكوت أو الاختطاف والقتل والتمثيل بالجثة، ولا يوجد خيار آخر.
وقد وقعت السيدة كريمة في الأيام الأخيرة أمام هذين الخيارين، ولكن لماذا لا تهتم شرطة كندا بهذه الحقيقة، كما أنه مثير للسؤال، يعتبر فضيحة مفجعة للعالم الحر الذي يدعي حقوق الإنسان، وإنما يكشف عن المعايير المزدوجة للغرب في التعامل مع القضايا.
وفي نفس الوقت ارتكبت الأجهزة الأمنية في باكستان، خطأ استراتيجيا، قد يحمل لباكستان بعض الإنجازات في المستقبل القريب، ولكنه خطير لها في المستقبل البعيد، ويترك البلد أمام مستقبل مجهول.
جرّ الهند إلى قضية بلوشستان لتبرير اغتيال “كريمة البلوشي” الجبان، هو تكرار لنفس الخطأ الذي ارتكبته باكستان في بنغلاديش.
لا يخفى على أحد أن بين الصين والهند تنافسا استراتيجيا في المنطقة؛ وصول هذا التنافس إلى بلوشستان، سيؤدي إلى الإضعاف المزيد لقوة باكستان الوطنية.
لا يتحقق انفصال بلوشستان الذي تستوحش باكستان منه عمليا بنشاطات معارضين مدنيين مثل كريمة البلوشي، وهكذا لن تؤدي حركة قبائلية قومية مسلحة الى انفصال بلوشستان. إن الانفصال يرسمه الجيش الباكستاني أولا بالاختطاف القسري، والتعذيب، ورمي الجثث في الشوارع، ويتداوم إلى أن يوفر مجال التدخل الأجنبي، كالواقعة التي جرت في بنغلاديش، وكان الجيش الباكستاني مسؤولا عنها. إن تلك الواقعة قد تتحقق في بلوشستان إذا لم يجر تعديل، واستمرت الاستراتجية الصينية للتوسعة مع إفراغ المنطقة من السكان الأصليين.
لقد انفصلت بنغلاديش لما شدد الجنرال تيكاخان أسلوب الاختطاف، والقتل، ورمي الجثث المشوهة لقتلى المعارضين الأحرار في الطرقات والشوارع، ولم يقبل الجيش حقيقة انتصار مجيب الرحمن والحزب البنغالي “عوام ليك” في الانتخابات، ووفر الفرصة للهند لتذيق باكستان الهزيمة المذلة.
لكن في البداية خطر هذا الانفصال في أذهان العامة، ولم يدرك بيروقراطية باكستان ولا الجيش هذا الخطر في الوقت المناسب، والآن يدفعون بلوشستان نحو وضع مشابه للهند.
الإصرار على استراتيجية اختطاف المعارضين المدنيين، وتعذيبهم، ورمي جثثهم في الشوارع داخل البلاد وخارجها بطريقة لا تثير مشاعر الدول والشعوب الحرة، ليس إلا تكرارا لتجربة جنرالات بنغلاديش، ولن تكون لها نتيجة سوى التي كانت في بنغلاديش.
سيدخل البلوش وباكستان عاجلا أو آجلا في قضية استراتيجية الاختطاف، والقتل، ورمي الجثث في الشوارع، في معركة الصراع من أجل البقاء.
تشكّل بلوشستان بوحدها ٤٧ في المائة من أرض باكستان، وباكستان بغير بلوشستان التي لها ٨٠٠ كلم من السواحل، ليست بشيء ومحكوم عليها بالهزيمة تجاه الهند.
وهكذا البلوش لو فقدوا أرضهم في المشروع التوسعي الصيني، محكوم عليهم بالحذف والدمج في ثقافة الأغلبية، لذلك البلوش أيضا متورطون في حرب البقاء.
الجيش الباكستاني ارتكب أكبر خطأ استراتيجي لما بادر إلى التصفية الجسدية لمعارضين معتقدين بالنضال المدني الذين يرفضون الحركات المسلحة، واغتيال شخصياتهم في الحقيقة يوفر البيئة لنمو تيار وطني انفصالي مسلح مع ظرفية الارتباط بالتنافسات الإقليمية والدولية، وسيكون هذا أكبر خطأ استراتيجي في باكستان. يجب أن ندرس اغتيال السيدة كريمة في مناسبات معقدة مثل هذه.
إن هذا الاغتيال يفتح أوّلا حرب البقاء في العقول المتباينة بين البلوش وجنرالات الجيش وحلفائهم من الصين، ثم في المراحل التالية سيتمتع بظرفية التدخل الأجنبي.
في حرب البقاء يضطر البلوش أن يدفعوا الثمن الباهظ، وهو الثمن الذي يدفعونه يوميا. لكن الخسارة النهائية ستكون لباكستان. هذه الخسارة قد تتعجل وقد تتأخر، ولكنها واقعة لا محالة.
وهل تشعر باكستان هذه الحقيقة وتمارس الإصلاح، أم تترك الهند في موقف يضع نقطة نهاية على المؤامرة البريطانية في سنة ١٩٤٧م، وتقسيم شبه القارة الهندية؟ يبدو أن هذه النقطة للنهاية لا تنطلق من كشمير كما يتصور، بل ستكون انطلاقتها من جغرافيا بلوشستان.
ولكن في البداية، ستنتزع جامعة الدول العربية، والكيان الصهيوني، والاتحاد الأوروبي، العضة النووية لباكستان، وإن الاختلافات بين السعودية وباكستان التي أصبحت معلنة أخيرا، مقدمة لانتزاع العضة النووية لباكستان.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات