اليوم : 30 أغسطس , 2020

واقعة الحرّة؛ استبداد سلطة وفشلُ ثورة

واقعة الحرّة؛ استبداد سلطة وفشلُ ثورة

معركة الحرّة من المعارك المؤلمة المؤسفة التي حصلت إبان حكومة يزيد، معركةٌ لم تجد عناية جديرة بالذكر من المؤرخين والمحققين كما وجدت غيرها من الحوادث التي حصلت أيام يزيد بن معاوية، معركةٌ قتل فيها مشاهير لهم منزلة وصحبة كعبد الله بن زيد الصحابي الذي حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعقل بن سنان رضي الله عنه، وعبد الله بن الحنظلة الغسيل مع ثمانية من بنيه، وهؤلاء مكانتهم كانت عالية في الإسلام، و مصيبة المسلمين كانت فيهم عظيمة، والسبب في وقوع معركة الحرّة أن أعيان المدينة المنوّرة وأشرافها من أبناء المهاجرين والأنصار نقضوا بيعتهم ليزيد بعدما رجعوا من الشام، وأخرجوا عامله من المدينة، فأرسل يزيد جنده لمحاصرة المدينة المنوّرة حتى يعيد المعارضين إلى الطاعة والبيعة له، ولقد ارتكب يزيد خطأ فاحشا ناشئا من شهوة السلطة والقوة لما سارع في استخدام جنده لمحاصرة المدينة، ولقد ارتكب جريمة كبيرة لما أخاف أهلها، واستجلب بذلك سوء العاقبة لنفسه وأميره المستبد مسلم بن عقبة.
معركة الحرة انتهت لصالح جند يزيد، وثورة أهل المدينة فشلت لأسباب عديدة، منها تفرُّق أهل المدينة ما بين ناقض لبيعته مشارك في الثورة، وما بين متمسّك ببيعته منكرٍ للخروج المسلح، فلم تشاركها أسرتان مهمتان من أهل المدينة هما آل الخطاب، وآل هاشم، فلم يشاركها عبد الله بن عمر، ولا عبد الله بن عباس ولا محمد بن الحنفية ولا علي بن الحسين ولا عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم،
ومن أسباب فشله عدم توحّد الثوار على قائد واحد بحيث استعملوا قائدا لأبناء الأنصار وقائدا لأبناء المهاجرين، ولما سمع ابن عباس رضي الله عنهما بهذا قال: أميران؟ هلك القوم.
ومنها عدم وجود رؤية سياسية واضحة أمامهم لمرحلة ما بعد النصر، وهذه دواعٍ تكفي لفشل أي ثورة مهما عظمت فيها التضحيات.
معركة الحرّة نموذجٌ واضح من استبداد السلطة وطغيانها وشهوة المتربعين عليها، المنتهكين لكرامة الرعية، الذين لا يفكرون في حل أزمة إلا بالقوة، ولا يسمعون صوتا مخالفا معارضا إلا سعوا في إسكاته، ومِن فشل ثورة شعب مضطهد مغلوب لا يملكون من أمرهم شيئا.
دماء أريقت وتراق، وكرامات انتهكت وتنتهك، وأنظمة تستبد وتطغى، ورعايا اضطهدت وتضطهد تحت وطأة الاستبداد، وشعوب ثارت وتثور بائسة مضطرة بلا أفق سياسي واضح.
هذه قصة تاريخ من التجبر والاستبداد من جانب، وثورات وحركات محكومة عليها بالفشل من جانب آخر، قصة بدأ كتابتها يزيد وبعض أمرائه، وأكملها وزادت فيها وبالغت وأسرفت طغاة مستبدون جاؤوا من بعدهم، وأنظمةٌ طاغوتية شيطانية أسوء من زبانية يزيد بآلاف مرّة في عصرنا،
والجميع في النهاية إلى زوال، والجميع بأوزارهم وذنوبهم وأخطائهم ونواياهم ومقاصدهم يساقون إلى رب عنده علم القرون الأولى، ويحشرون إلى رب لا يُظلم عنده أحد، ويقامون بين يدي مَن لا تخفى عليه حجة ولا برهان.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات