اليوم : 16 أبريل , 2020

ما أشدّه وما أرقّه !

ما أشدّه وما أرقّه !

هل سمعتَ بشدّة أعظم من شدّته وقد ظنّ أنّ عمّه سيسلّمه إلى قريش، إن لم يُجبه إلى ما عَرَض عليه فقال: “يا عمَّاهُ! واللهِ لَو وَضعوا الشَّمسَ في يميني والقمرَ في شمالِي علَى أن أتركَ هذا الأمرَ حتَّى يُظهرَه اللهُ أو أهلِكَ فيه ما تركتُهُ”.
قد أشرِبَ في قلبه حبّ مكة، ورغم هذا يترك الوطن مهاجرا إلى ما بين الحرّتين، لأنه شديد على تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، ومستعد كل الاستعداد ليضحي بكل شيء في سبيلهما، فيخرج من مكّةَ مخاطبا إياها “أَنْتِ أَحَبُّ بِلاَدِ اللهِ إلى اللهِ، وأَنْتِ أَحَبُّ بِلاَدِ اللهِ إليَّ، فَلَوْ أَنَّ المُشْرِكينَ لَمْ يُخْرِجُوني لَمْ أَخْرُجْ مِنْكِ”. يودّعها والشوقُ إليها قد كدّ فؤاده برحا على برح، ونكأه قرحا على قرح.
تمضي ثماني سنوات على الهجرة وهو قد تعرّض لكل خطب وبلية من قومٍ قد رين على قلوبهم فهم لا يفقهون، وضُرب على آذانهم فهم لا يسمعون، وغُطّي على أعينهم فهم لا يُبصرون، وحيل بينهم وبين الرشد فهم لا يرعوون.
يأتي الموعد وهو يتوجّه إلى مكة في عسكر جرّار كالبحر الزخّار، يصل الجيش الإسلامي بمَرِّ الظَّهْرَان‌‏ ويبيت هناك. وأبو سفيان كبير مكة وأكبر أعداء الله ورسوله يومئذ، أصبح في وَجَل وارتقاب، لا تقلّه أرض ولا تظلّه سماء، يخرج في الليل الغيهب ليتجسس الأخبار، وبينا يسير إذ يلفت نظره شيء، يقول‏ لصاحبه:‏ ما رأيتُ كالليلة نيراناً قطّ ولا عسكراً‏.‏ فيقول صاحبه:‏ هذه والله خزاعة، حَمَشَتْها الحرب، فيقول أبو سفيان‏:‏ خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها‏.‏ فيدركه العباس ويقول: واصباح قريش. ثم يُعرض أبو سفيان إلى القائد العام ويُعلن إسلامه. وبما أن القائد رجل خبير بنفوس الرجال وطبائعهم، ويعرف أنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر وله في مكة مكانة، فيقول: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن!
تنطلق جنود الله إلى مكة صبيحة الجمعة، 10 من رمضان، العام 8 من الهجرة، والعباس مأمور ليحبس أبا سفيان بمضيق الوادي عند خَطْمِ الجبل، حتى يرى الجنود وهي تمرّ به، فتمرّ القبائل على راياتها، وكلما تمر به قبيلة يقول:‏ يا عبّاس، من هذه‏؟‏ فيقول ـ مثلا ـ سُليمٌ، فيقول‏:‏ مالى ولِسُلَيم‏؟‏ ثم تمر به القبيلة فيقول‏:‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ فيقول‏:‏ مُزَيْنَة، فيقول‏:‏ ما لي ولمزينة‏؟‏ حتى تنفذ القبائل، ما تمر به قبيلة إلا ويسأل العباس عنها، فإذا أخبره قال‏:‏ مالي ولبني فلان‏؟‏ حتى يمرّ به القائد العام في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحَدَق من الحديد، فيقول:‏ سبحان الله‏!‏ يا عباس، من هؤلاء‏؟‏ يقول:‏ هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المهاجرين والأنصار، يقول:‏ ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولا طاقة‏.‏ ثم يواصل وقد ملأت الهيبةُ جوانبه:‏ والله يا أبا الفضل، لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك اليوم عظيماً‏.‏ فيقول العباس‏:‏ يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال‏:‏ فنعم إذاً.‏
تدخل الجيوشُ مكة والغبار قد علا والعجاج ملأ الجوّ والفلا، ويتصدى لقتالها البعض أمثال عكرمة بن أبي جهل وحِمَاس بن قيس، فينهزمون شر هزيمة، فيدخل أحدُهم بيته وهو يلهث وطار قلبه شعاعا، ويقول لامرأته‏:‏ أغلقي عليّ بابي‏!. لأنه سمع النداء: من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن.
هل بلغتك رقّةٌ أعظم من رقّته يوم الفتح وهو على رأس عسكر كالبحر في تزخاره، أكثر من عشرة آلاف فارس كاملين العدّة صابرين على الشدّة، وقد مكنّه الله من رقاب أعدائه الذين فعلوا به الأفاعيل، إذ دخلها على رحل مطأطئا رأسه المبارك، حتى ليكاد يمسّ مقدّمَ رحله، مردفا خلفه عبدا في سواد الغراب!
يجمع الناس حول البيت، وهنا تبلغ القلوب الحناجر، وتشافه السيوف المناحر، وقد صار الضياء ظلاما في وجه الأعداء، وهم يرون أمامهم ليوثا عوابس وفي الحديد والزرد غواطس، وضعوا أيديهم على مقابض سيوفهم، ينتظرون إشارة واحدة من القائد العام! وتحققوا أنهم هالكون لا محالة!
هنا يرتفع صوت يقطع عليهم ظنونهم يقول: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟! فتتعقّد الألسنة وتتلعثم، فيقولون في تمتمة: إن تعذّب فقد أسأنا، وإن تعفُ فخير ابن وخير أخ، وإذا كنا مسيئين فكن أنت محسنا!” اعترفوا بالجريمة والظلم، فغدا الكون كله يتجاوب مع الحاضرين في المحكمة مخاطبا إياه: “مَلكْتَ فأسجِحْ”. فيقول لهم -ووجهه يتلألؤ كالبدر في ليلة التمّ-: لا أقول لكم إلا كما قال العبد الصالح: “لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ‏، اذهبوا فأنتم الطلقاء‏”. وعندما يهتف البعض عند الدخول في مكة “اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحّل الحُرمةُ”، يستنكر هذا ويؤنب قائله ليعلن المرحمة قائلا: “بل اليوم يومٌ تُعظّم فيه الكعبةُ، اليوم يومٌ أعزّ اللهُ فيه قريشا”.وهكذا يُبهر العالمين برقّته في مكة إلى الأبد، كما أبهرهم قبل ذلك بشدّته فيها، فما أشدّه وما أرقّه. ثم حينما يودّع مكة بعد الفتح، يخاطبها فيما -رواه الترمذي-: “مَا أَطْيَبَكِ من بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إليَّ! وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ؛ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ”.
إنه رسولنا وسيّدُنا محمد -صلى الله عليه وسلم- اسمٌ وافق مسمّاه، ولفظ طابق معناه، فداه أبي وأمي.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات