اليوم : 17 يناير , 2017

رحيل بقية السلف وقدوة الخلف العلامة الشيخ سليم الله خان!

رحيل بقية السلف وقدوة الخلف العلامة الشيخ سليم الله خان!

مع كل مشاعر الحزن والأسف تلقينا أمس نعي أستاذ العلماء وشيخ المشايخ في المنطقة، العلامة الفقيد، المحدث الكبير، الفقيه الجليل، من أبرز الشخصيات العلمية المخلصة في العالم الإسلامي، العلامة سليم الله خان -رحمه الله- رئيس منظمة وفاق المدارس بباكستان، التي تضم عشرين مدرسة تقريبا، ومدیر “الجامعة الفاروقية” بكراتشي.
کان رحمه الله من تلاميذ کبار الرجال بجامعة دار العلوم ديوبند الهندية أمثال: شیخ الإسلام مولانا حسین أحمد المدني، ومولانا إعزاز علي، ومولانا محمد إدريس الكاندهلوي، ومولانا مسيح الله خان -رحمهم الله تعالى- واستطاع أن يمثل شيوخه حرفا حرفا، الذين استفاد منهم، وتلمذ لهم، وتخرج عليهم، في دارالعلوم ديوبند الكبيرة، وانتهل من منهلهم العذب، وكان بحق تذكارا للسلف الصالح رحمهم الله تعالى، انتقل إلى جوار ربه عن (91 عاما) بعد ما أمضى سبعين ربيعا من عمره المبارك في خدمة القرآن، وتدريس الحديث، وترويج العلوم الشرعية، وإثر صراع طویل مع الأمراض القاسية والضعف الجسمي، مع دوي مطرب شيّق تجاوب معه الكون “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي”.
قیل “موت العالم موت العالم” فالشيخ رحمه الله تعالى بالصراحة كان مصداقا بارزا لهذه المقولة، حيث ربى مئات العلماء والدعاة خلال حياته المباركة المديدة، الحافلة بالتضحيات والمآثر، التي كرسها للاجتهاد في سبيل الله، ولم تمض عليه لحظة إلا وهو كان في النشاط والعمل منذ سبعین عاما، وكان يلقي درس الحديث وهو في أسوأ الوضع الصحي، ولم يترك إلقاء الدرس حتى في مثل هذه الأحوال، بل صابر وثابر، واجتهد وسعى، ولا أعرف عالما ولا داعيا من المعاصرين أبلى بلاءه، وسعى سعيه، وجهد جهده، وقدم تضحيته، وربى تربيته، وأدى رسالته، مثل ما فعل هذا الشيخ المعمر الفقيد، فهو قد طلب العلم من المهد إلى اللحد، وسلك هذا الطريق إلى آخره بشكل فذ عبقري، وخدم العلم في أيامه ببذل قصارى جهده، وعاش حياة علمية صافية، وكأنه كان من الأسلاف فتأخر ميلاده إلى هذا الزمان، رحمة وشفقة بنا، فحينما نلقي النظر في شخصيته البارزة، وأحواله المتميزة، فلا نستطيع أن نؤكد بأنه عاش بیننا في هذا القرن، بل يبدو لنا أنه كان ينتمي إلى القرون المنصرمة.
ولعل الله أرسله إلينا كـ بقية للسلف لیکون قدوة لنا أي الخلف، ليفسر لنا الحياة الطيبة، والسعي الحثيث لجني الأهداف، والتحلي بهمّة القعساء، وتحمل الشدائد والمرارت في سبيل نشر الأنوار القرآنية، والنفحات النبوية، والعلوم الدينية، جاء لیعلمنا أن هذه الدار دار الزراعة، وتلك الدار هي دار الحصاد، وما يزرع هنا، سوف يحصده هنالك، إن زهرا فزهر، وإن شوكا فشوك، علمنا أن في الحياة أهدافا وقيما وأن السعي واجب نحو جني الأهداف السامية والمرامي الطوباوية، ومن الواجب ألا نسمح للملل والتعب يساورنا قبل الوصول إلى هذه الأهداف. وجاء لينسف الظن الخاطئ الرائج المبني على أن الأسلاف قد مضوا، فمضت معهم ميزاتهم كــ الفناء في الله، والانهماك في العلم، والتقشف، والزهد، والتوقير للعلم وأسبابه، والصبر على شدائد العلم، والعيش في الكتب ومع الكتب، وأنه لا يمكننا التشبه بهم وهم كانوا في العصور الغابرة، في حين نحن نعيش في هذا العصر، عصر التقنية والتكنولوجيا! فهو بسلوكه التربوي ضرب كل هذه الخرافات الباطلة عرض الحائط.
ووفق في ظل هذه الحياة المكرسة للعلم، للقيام بنشاطات علمية قيمة، وتقديم خدمات ثمينة إلى معاصريه والأجيال القادمة، ولا تفوتنا الإشارة إلى شروحه وتعليقاته المطبوعة على أهم الكتب في المنهج الدراسي، وفي هذا السياق بإمكاننا الإشارة إلى شرح له على صحيح البخاري المسما بـ”كشف الباري عما في صحيح البخاري” وهو من أفضل الشروح ومن أوفاها بالغرض، وفقا لشهادة العلماء المعاصرين، وكذلك شرحه المتميز على مشكاة المصابيح المسما بـ “نفحات التنقيح” وکتابه الثمین “الإمام البخاري حياته وأعماله” وآثار علمية قيمة أخرى بين مطبوعة ومخطوطة، وأخرى في قيد الإعداد والطبع.
كم ترك من آثار وأفكار، وكم قدم من تلاميذ ورجال، وعلماء ودعاة، إلى المجتمع الإسلامي، وكم ملأ من الشروخ الموجودة في صرح المجتمعات عبر تربية تلاميذه المنتشرة المتواجدة في باكستان وأفغانستان وإيران والهند والبلاد الأخرى.
فاضت روحه الطاهرة وتوقفت عقارب حياته المباركة بعد سنوات من النضال والكفاح، والاجتهاد والتضحية، ليحرم العالم من فيوضاته وبركاته، ويترك حشدا كبيرا من تلاميذه ومحبيه، وهواته ومريديه محزونين في فراقه المرير، وكل من رآه عن كثب أو عرفه عن كتب، بات اسودت الدنيا في عينيه، وكاد ليتفطر قلبه عند سماع هذا النبأ المرير، وليحدث برحيله ثلمة كبيرة يعد ملؤها شبه المحال لو لم يكن ضربا من المحال، إلا أن يرحمنا الله ويتغمدنا بكرمه حنانه، ويؤهل بين تلاميذه الخلف من يخلفه، ويسد مسده، وما ذلك على الله بعزيز.
رحمه الله تعالى، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعله لنا شافعا ومشفعا.

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات