اليوم :26 February 2024

حرب “مالي” محاولة لإطفاء نور الشريعة

حرب “مالي” محاولة لإطفاء نور الشريعة

“مالي” من حواضر الإسلام العريقة أنشئت فيها جامعة قبل حوالي تسعمائة عام، وبهذا تعد من أقدم جامعات العالم. عاشت مالي في ظل دولة مسلمة لقرون، منها مملكة “صونغاي” التي غزاها المستعمرون البريطانيون عام 1591م فدمروا حضارتها واستعبدوا أهلها وأهانوهم.
ثم احتلت فرنسا مالي في أواخر القرن التاسع عشر، ومارست فيها جرائمها، ولم تدعها إلا بعد أن زرعت فيها نظاما عميلا تضمن به استمرار سيطرتها على مالي ونهب ثرواتها، وقد قامت الأنظمة المتعاقبة العميلة لفرنسا بقهر أبناء الشعب المسلم، شأنها شأن سائر البلاد الإسلامية التي لم يتركها الإستعمار لتعيش في راحة وتتمتع بحريتها واستقلالها، بل ترك من ورائه جيلا من بني جلدتهم هم أسوء بأسا وأذى لهم من المحتلين الأجانب. وهي مأساة الأمة حيث انقسم كل بلد وشعب مسلم بين فريقين؛ فريق يستسلمون لأسيادهم في واشنطن ولندن وباريس، ويستمعون لهم، ويتبعون أسوء ما عندهم؛ وفريق آخر قالوا “ربنا الله”، فوجدوا أنفسهم في بحار من المؤامرات والمكائد.
قامت حركات تحررية تطالب بحكم ذاتي وبتحسين الأوضاع المعيشية في مالي، لكن هذه الحركات لم تكن إسلامية الطابع، مما جعل المجتمع الدولي ينهج معها أسلوب الاحتواء والدعوة إلى المفاوضات مع الحكومة المركزية وإعطائها وعودا لا تلبس أن يظهر زيفها.
حتى ظهرت صحوة إسلامية وظهرت جماعات اتضحت رؤيتها وعلمت أنه لا خلاص لها إلا بتطبيق الشريعة التي تجمع أبناء العرقيات على كلمة سواء، وتحرر البلاد من التبعية لفرنسا، ومن فساد واضطهاد الحكومات المركزية العميلة، وتحقق للمسلمين خيري الدنيا والآخرة.
يتسم الحراك الإسلامي في مالي بنقائه في المنهج، وبالتوازن والحكمة والرحمة والثبات على المبدأ، وواقعية تنم كلها عن وجود علماء أكابر في هذا الحراك، وعن وجود مشروع حضاري متكامل لديهم، على الرغم من قلة الموارد.
يظهر ذلك بجلاء في المقابلات مع المتحدث الرسمي باسم الإسلاميين حيث نص على أن من أهدافهم بناء المشروع الإسلامي واستئناف الحياة الإسلامية في الأرض التي تحت أيديهم في شتى مجالات الحياة، والتركيز على الجوانب الهامة، كمجال القضاء الشرعي، والتعليم والدعوة والإرشاد، وتربية الأجيال على الخلق الإسلامي، وتصحيح عقائد المسلمين وأعمالهم، وحمايتهم من دعاة الكفر والضلال، وبسط الأمن والأمان في الحواضر والبوادي، وسد الحد الأدنى من احتياجات الناس المعيشية، وإشراك الناس في صناعة هذا المشروع، وإقناعهم بأن المساهمة فيه عبادة مفروضة لا مناص للمسلم من أداء ما يطيق منها.
هنا تحرك المجتمع الدولي وتوجس الخوف، وأعطوا الضوء الأخضر للمستعمر القديم أن يعود من جديد، وملأوا الإعلام بأكاذيبهم ومغالطاتهم.
لكن لماذا يتعامل المجتمع الدولي بهذا العنف والدموية ويرفض الحوار مع الإسلاميين في مالي؟ يقول وزير الداخلية البريطاني في كلمة حول الإرهاب في واشنطن في 5/10/2005 قال : “إن ما يحرك هؤلاء الإرهابيين هي الأفكار. إن الحركات التحررية التي نشأت في كثير من أنحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية، قامت على أفكار سياسية مثل الاستقلال والمساواة وحرية التعبير. إن مثل هذه الطموحات قابلة للتفاوض، وقد تم التفاوض على كثير منها بالفعل، لكن ما لا يتحمل ولا يقبل التفاوض هو إعادة الخلافة. ما لا يقبل التفاوض هو فرض الشريعة. ما لا يقبل التفاوض هو عدم المساواة بين الجنسيين”.
طبعا هذه مبررات كاذبة يزجون بها في كل مقام، بل الأمر الذي يؤكد عليه الإسلام هو أن “ما لا يقبل التفاوض هو منع حرية التعبير”. إن هذه القيم هي من أسس حضارتنا الإسلامية وهي ببساطة غير قابلة للتفاوض.
وبمثله تحدث رئيس الوزراء الفرنسي بعد الحملة الحالية حيث قال: “نتفاوض مع من؟ مع إرهابيين استقروا في شمال مالي، يفرضون قانون الشريعة، يقطعون الأيدي ويدمرون مباني معتبرة من التراث الإنساني؟”. يقصد بالمباني الأضرحة التي تعبد من دون الله.
فهل يوجد من عاقل يغتر بحرص المجتمع الدولي على حقوق المرأة وهي تنتهك عرضها في سوريا لسنتين؟ وهل من عاقل ينخدع بحرص المجتمع الدولي على حرية التعبير بينما يذبح السوريون بالسكاكين لهتافاتهم بالحرية؟! ويشوى المسلمون في بورما ويقطعون!! فأين هذا المجتمع الدولي؟!
إذاً القضية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أن المجتمع الدولي لا يتحمل أبداً فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية التي تحارب الفساد والمفسدين، وتحارب السرقة والسارقين، وتحرم الربا، وتقول بالعدل في أي مكان في العالم، وأن المجتمع الدولي لا يتحمل إظهار نور الله وإتمامه على الأرض. هذه فكرة غير قابلة للنقاش ولا للتفاوض، إذ أنها تعني ظهور نموذج مشرق تتعطش له البشرية التي عانت طويلا من استعباد الرأسمالية وجشعها، وهي تعني أيضا إبطال سحر الآلة الإعلامية التي عملت طويلا على تشويه مفهوم الشريعة والدين الإسلامي شرقا وغربا.
فإسلاميو مالي كلما دخلوا في منطقة نشروا فيها الأمن ورحموا الناس، وأوقفوا الضرائب والاستغلال، ووزعوا الموارد بتساوي، وحفظوا لأهل الأديان الأخرى حقوقهم، وآثروا الضعفاء على أنفسهم. نجاح هذا النموذج بأرض “مالي” يتيح الشعوب الأخرى هذه الفرصة لتقارنه بالأنظمة الوضعية التي أفلست إنسانيا وجرعت البشرية الويلات، وأيضا يحرم الغرب من سرقة ثورات البلاد. وكذلك الأنظمة العميلة في البلاد الإسلامية لا تتحمل نجاح هذا النموذج الذي سيصبح نبراسا ومثالا للشعوب الباحثة عن الكرامة.
لذا فقد أوغلت هذه الأنظمة  الفاسدة في الخيانة والتواطؤ مع فرنسا ضد الحراك الشعبي الإسلامي فيها. ثم المسئولون في دول عربية ثرية مع الأسف ممن كانوا يهدرون الأموال بسفاهة بينما يموت المسلمون جوعا وفقرا في مالي وسوريا وغيرها من البلاد الإسلامية، انتبهوا أخيرا إلى وجود هؤلاء الجوعى على الخارطة، فقدموا أموالا لا لدعمهم، بل لإعانة فرنسا على قتلهم وإراحتهم من الجوع!
لما بدأت الحرب، انسحب الإسلاميون من المدن رفقا بالناس، لأن الصليبين وأعوانهم يقصفون المدن بعشوائية طالما أن المسلحين المسلمين فيها، وقد جرب الإسلاميون تلك المشاهد في كثير من البلاد. فكلما دخلت القوات الصليبية وأعوانهم مدينة كانت قد احتضنت المجاهدين، نكلت بأهلها جميعا، وأعدمتهم في الشوارع، وانتهكت الأعراض عقوبة لهم على تأييدهم للمجاهدين.
لكن باستعراض التاريخ الاستعبادي الأسود للغرب في مالي، ثم اضطهاد الحكومة العميلة وفسادها في التعامل مع شعبها عموما، وبعدما ذاق مسلمو مالي حلاوة العيش في ظلال الشريعة لبضعة أشهر، فإنه لا يتوقع أن تنجح الحملة في وقف المشروع الإسلامي في مالي، حتى لو قضيت على عامة عناصر الجماعات الإسلامية المسلحة؛  فأرحام نساء مالي اللواتي اخترن الكرامة، ستبقى تنجب الأبطال بإذن الله.
ولا يتوقع لفرنسا وأعوانها في مالي أكثرمما توقعها كاتب لمجلة “تايم”، حيث تناول التدخل العسكري لفرنسا، فأكد الكاتب “أن السيناريو الأسوأ هو أن تغرق فرنسا فى مستنقع مالى كما غرقت أمريكا فى مستنقع أفغانستان. والأخطر أن تضطر فرنسا بعد فترة قصيرة من الوقت للانسحاب من تلك الورطة وترك الساحة فارغة، وهو ما سيزيد المأساة ويشعل الأزمة”. هذا على زعم ذلك الكاتب، ولكن الحقيقة أن فرنسا بتدخله الذي ليس له مبرر، هي المأساة والأزمة. وبتدخله العدواني أشعل منطقة جديدة للصراع بين الحق والباطل، وسيبقيان يتصارعان إلى أن يزهق الله الباطل، ويتفجر بركان الإسلام بإذن الله من جديد.
لقد أثبت الإسلاميون في مالي أنهم سيبقون بإذن الله ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم ولا من خانهم، وقد أوقدوا شعلة الشريعة والتحرر من رقة العبودية للبشر، فحتى لو اختار الله عامة عباده المجاهدين لجواره، فإن الشعلة التي أوقدوها لن تنطفئ بإذن الله، حتى تلامس زيت الفطرة في نفوس المسلمين، وينفجر بركان العزة ليحرق الأرض من تحت القوى الحاكمة وأعداء الإنسانية ومسترقيها، ويقود المسلمين إلى مجد جديد، وما ذلك على الله بعزيز.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات