البحث عن الأمن وتطبيع الأوضاع في بلوشستان الباكستانية

البحث عن الأمن وتطبيع الأوضاع في بلوشستان الباكستانية

المشكلة الكبرى لدى الحكومة الباكستانية في إسلام آباد أنها لحد الآن لم تتعلم الدروس من البلاد التي حصلت على استقلالها في العصر الراهن لتعالج الملف الأمني في بلوشستان، الإقليم الذي نال حريته من المستعمر البريطاني قبل أن ينالها الهند الواسع وتلد منها باكستان على كره واختلاف من أهلها من المسلمين والهنود.
ما هي الخطوات الجادة التي يجب القيام بها من قبل الحكومة الباكستانية لتطبيع الوضع في بلوشستان المضطربة وتهدئة الشعب البلوشي الثائر؟
الدوافع لتدهور الظروف وتعكير الأجواء منذ ضم الإقليم إلى باكستان بالقوة، كثيرة، إلا أن هناك في الماضي القريب ظهرت أسباب جديدة زادت الأزمة توترا وأنتجت عواقب سيئة جدا.
لا شك أن العمليات العسكرية التي جرت في بلوشستان في عهدي “أيوب خان” و”بوتو” أنشأت هوة بين الشعب البلوشي والحكومة المركزية، بل أفقدت بلوشستان الثقة بباكستان نهائيا، وتركت ذكريات مريرة في خواطر شباب المنطقة. لكن الحدث المؤلم الذي أثار نيران التمرد وأشعلها بين الشباب البلوش هي حادثة مقتل الزعيم الثائر “أكبر بوغتي” الذي بلغ الثمانين من عمره، بطريقة بشعة منافية لتعاليم الشريعة الإسلامية، وبل بطريقة غير إنسانية في عهد النظام العسكري الديكتاتوري لبرويز مشرف. أراد الجنرال مشرف إزالة جميع قادة البلوش الذين كانوا يتحدون حكمه وسياساته الاستبدادية.
في 2005 تحمس الجنرال بعد تناول غدائه وقال: هذه المرة سنحيط بهؤلاء القادة المتمردين البلوش في الجبال، وسنمطرهم بوابل الرصاصات بحيث لا يعلموا من أين تأتيهم نيراننا!
هذه السياسة الخاطئة التي كان مشرف يربيها في خاطره العليل، لقد حذر من عواقبها ونتائجها السيئة عقلاء قومه في باكستان آنذاك، إلا أن القوة لقد أعمت بصره، فقد اتخذ الرئيس الغبي كافة الاجراءات في 26 أغسطس 2006 لإزالة “أكبر بوغتي”، وفي تلك الليلة ظهر في التلفزيون الباكستاني ليبشر قومه وشعبه بهذا الانجاز العظيم على حد زعمه.
والحدث الآخر الذي زاد من تأجيج الأوضاع في بلوشستان هي حوادث انتخابات 2008. قاطع الشعب البلوشي الانتخابات بحجة أنها لن تجري بشفافية في ظل الحكم المستبد لبرويز، حيث قامت الاستخبارات الباكستانية بملء هذا الفراغ وتعيين ممثلين في البرلمان لم يكونوا ممثلي الشعب حقيقة. الحكومة المركزية اختارت “رئيساني”  أحد ممثلي حزب الشعب الذي يقول عنه مخالفوه بأنه يعمل بأسلوب غير مناسب بحيث ترأس لمدة أربع سنوات على المحافظة، وقد زاد في عهده القتل المستهدف والاختطاف وتهريب المخدرات بشكل مرموق. وقد وزعت الوزارات بين 62 عضوا من بين 65 عضوا في البرلمان، وكان “رئيساني” يتردد إلى بلوشستان في الشهر مرة أو مرتين، وأحيانا كان يسمع منه هذه البشارة بأن السلطة بيد القوات الحكومة المركزية (اف سي) ولا سلطة له عمليا في المحافظة.
لا شك أن الحكومة المركزية الباكستانية منذ استقلالها من الهند فرضت سيطرتها على بلوشستان بالقوة العسكرية، وهذه القوة العسكرية في بلوشستان يمر نصف قرن من وجودها، وهي التي ضيقت الحياة والحرية على البلوش، ثم الفروع الاستخباراتية لهذه القوة العسكرية في بلوشستان هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن كافة الاغتيالات لزعماء البلوش ومثقفيهم وعلمائهم، وكذلك اختطاف النشطاء في المجالات المختلفة، بحيث أصبح ملف المفقودين في السنوات الأخيرة أيضا أحد أهم الملفات الساخنة في قضية بلوشستان. وعدم اهتمام الحكومة المركزية ورغبتها في حل ملف المفقودين من قادة البلوش هو السبب الآخر الذي زاد من تعكير الوضع في هذه المنطقة.
الحادثة المريرة في 25 أغسطس 2006 وكذلك الانتخابات المزورة في 2008  وعدم اهتمام الحكومات المركزية أو عجزها من حل قضية المفقودين من قادة البلوش صعّدت من تمرد الشباب البلوش. لقد غلت دمائهم بسبب مقتل قائد كبير السن. ومن جانب آخر كانوا قد ضاقوا ذرعا بسبب وحشية رؤساء قبائلهم، ومتذمرين من السلوك غير العادل للجيش والحكومة المركزية. فظهرت جماعات مسلحة مختلفة في المنطقة انتقاما لمقتل “أكبر بوغتي”. يقود إحدى هذه الجماعات “جاويد مينغل” بن عطاء الله مينغل، والأخرى يقودها “براهمداغ بغتي”، والجماعة الثالثة يتزعمها “حيربيار مري”، والجماعة الرابعة يقودها “الله نذر”.
توجد مخيمات للهاربين في بلوشستان وكذلك في بلاد أخرى، حيث يتم فيها تدريب عشرات الآلاف من الشباب عسكريا. هذه الجماعات تستهدف كافة الأحزاب السياسية المرتبطة بالحكومة المركزية بطريقة ما، وضباط الجيش والقوات الحكومية (اف سي) في القائمة السوداء لمستهدفيهم.
الدوائر العسكرية التي تنوب الحكومة لتصدي هذه الجماعات المسلحة هي الشرطة المحلية (ليويز) والجيش والاستخبارات (اف سي) . تسيطر القوات المحلية (ليويز) على 95 في المائة من المناطق. وهذه القوات يتم فيها تجنيد المؤهلين من أبناء العشائر. هذه القوات لحد الآن لم تلق القبض على ثائر واحد. قوات الشرطة ضعيفة محرومة عن التربية العليا والقيادة الصحيحة.
والشباب الثائرون في الغالب يهجمون على القوات الحكومية الباكستانية (اف سي)، ونتيجة هذه الهجمات ضحى الكثير بأرواحهم. في ظل الظروف غير العادية يتم تغييب بعض العناصر المهددة لأمن المنطقة من الأنظار بسبب الخوف من العامة، وكذلك التعقيدات الموجودة في المحاكم تحول بينهم وبين معاقبتهم في المحاكم. لقد قامت المحكمة العليا في هذا الصدد بدور كبير، حيث سمعت الملف الأمني في بلوشستان لأكثر من 80 مرة وأعطت الأوامر إلى الجهات والدوائر المعنية بأمن المحافظة.
رجاء الوصول إلى العدل والإنصاف، جاء الرئيس القبلي البلوشي المعروف “أختر مينغل” إلى باكستان بعد ثلاث سنوات، وقدم ست نقاط أساسية لأجل تطبيع الوضع في بلوشستان. هذه النقاط الست بإمكانها أن توفر مجال الحوار بين الحكومة المركزية و البلوش الثائرين. ومن ناحية أخرى يسعى “طلال بوغتي” لإنقاذ بلوشستان في لاهور في هذه الأيام ويجري مفاوضات مع القيادات السياسية الباكستانية هناك.
يجب على المهتمين بأمن بلوشستان وسلامة الوطن الباكستاني أن يجهزوا خريطة للسلام والأمن في المنطقة أولا، ويسعوا في استعادة الثقة المفقودة في نفوس عامة الشعب البلوشي بالنسبة إلى الجيش والحكومة والأكثرية البنجابية عمليا، وليس في إطار الهتافات والشعارات الخاوية.
فالطريق الأمثل لإقامة الأمن والسلام في بلوشستان، أن تتحد كافة محبي الوطن من الأحزاب السياسية والدينية لبحث الأمن والسلام في بلوشستان. فمستقبل القبائل الكبيرة في بلوشستان كـ “زهري” و”رئيساني” و”رند” و”بوغتي” و”مينغل” و”جمالي” و”ميكسي” و”مري” و”بزنجو”، منوط بمستقبل باكستان. وكذلك قرابة 40 في المائة من البشتون أيضا يتحمسون لوطنيتهم ولا يمكن تغافل هذه الجماعة الكبيرة في الإقليم. فلا بد من إقامة جلسات سياسية كبيرة لإزالة الخوف من العامة وإعادة الثقة في نفوسهم بالنسبة إلى الدوائر الأمنية والجيش والشرطة التي تتهم بتعكير الأجواء الأمنية في المنطقة، وتنتهي الظاهرة السيئة من سلسلة الأجساد مقطوعة الرأس التي تلقى في الشوراع وتعطى إلى القبائل المسلحة هذه الرسالة أنهم بإمكانهم أن ينالوا حقوقهم المشروعة من خلال الحوار والمفاوضات ومن غير أن يرفعوا السلاح في وجه الحكومة.
ولأجل إثبات هذه الحقيقة فلو تحركت الحكومة بكافة دوائرها الأمنية وكذلك الأحزاب السياسية بمعاقبة قتلة “أكبر بوغتي” الزعيم البلوشي الثائر في محكمة عادلة، وتشغيل ملف الإنقلاب العسكري ضد الجنرال مشرف، الجنرال المستبد الذي سعى في إذلال البلوش في عهده، يرجى أن تهدأ الأوضاع في بلوشستان التي امتلأت هذه الأيام الجرائد والصحف الباكستانية بالأحاديث عنها وعما يجري فيها من اختطاف وقتل وتهريب واغتيالات واعتقالات.

الكاتب: جمال البلوشي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات