شوال ابتداء عام جديد لطلاب المدارس الدينية

شوال ابتداء عام جديد لطلاب المدارس الدينية

إن كلمة شوال من أعرف المصطلحات عند طلاب المدارس الدينية، وأكثرها حباً، وأجلِّها قدراً، وأعظمها خطورة، وذلك لأنه يلج مرحلة جديدة، وينتقل من طور إلى طور.
إن الطالب عندما يترائ له هلال شوال يستبشر بانسلاخ عام قد مضى وافتتاح عام جديد قد أقبل، نعم جديد يبشره بتفوقه العلمي والثقافي، وتسلقه درجات العلم، فالصف الأول ينتقل إلى الثاني والثاني إلى الثالث وهلم جراً، فاستهلال شوال بشرى سارّة للطالب الديني
…ولكن مهلاً أيها الطالب النبيل! إن العام الجديد صفحة في غاية من الصعوبة في حياتك، فيها من العويصات والتعقيدات، فيها من الأشواك المفروشة والأخطار المحفوفة ما يجعلك أن تشد مئزرك وتشمر عن ساق الجد، أجل ! إنه يفتح صفحة جديدة من حياتك، صفحة تختلف عن الصفحات السابقة في كثير من الأشياء، إنها صفحة تقربك إلى هدفك المنشود، صفحة تعطيك مفتاحاً جديداً لفنون جديدة، صفحة تضخِّم مسئوليتك،  وتطلب منك همة وعزماً وطلباً وعملاً جديداً، صفحة ترغمك على الاقتحام في أمور أشق من السابق، فليس المهم هذه الانتقالية بل المهم أن تعرف رسالتك التي أنيطت بك، وتخطط لعامك المقبل تخطيطاً متقناً، وتتدارك مافاتك في الأعوام السابقة.
وإني أضع أمامك لوائح عمل لو تحليت بها قبل دخولك في العام الجديد عساك أن تكون في زمرة الأفذاذ، وتفوق أقرانك وأهل عصرك، وتكون من الطلاب المثاليين الذين ترنو إليهم عيون الأمة الإسلامية، ويتطلبهم المجتمع.
1 ـ تجديد النية والإخلاص في الأعمال بأن تقصد بالعلم وجه الله تعالى، وإحياء الشريعة، وخدمة الخلق، فإذا أخلصت نيتك فقد زكّيت عملك، ونمّيت علمك، وإلا حبطت أعمالك، وخسرت صفقتك، وضاع سعيك.
2ـ تجديد العزيمة وإنعاش الهمة، وإيجاد الطموح إلى مواطن العز، ومنازل العلم، فقد قال إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى: كن ذا همة فإن من ضعفت همته ضعفت منزلته. واعلم أن كل ما تتمنى الوصول إليه من العلوم النافعة فإن الله معطيك شريطة أن تكون صادق العزيمة، رفيع الهمة، قوي الإرادة، جاد العمل، متواصل السعي. من طلب وجدّ وجد، ومن قرع باباً ولجّ ولج. وقال عمر بن الخطاب: لا تصغرنّ هممكم، فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم. ولله در الإمام الشافعي:
الجد يدني كل أمر شاسع         والجد يفتح كل باب مغلق
3ـ التطلع إلى المعالي من الأمور، وعدم القناعة بالدون والنزر اليسير، فإن من اقتنع بالدون قلّ شأنه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم: إن الله يحب المعالي من الأمور ويكره سفسافها.
4ـ التخطيط الشامل لحياتك اليومية؛ أن تعرف كيف تقضي يومك، ولك أن تصنع لنفسك برنامج، وتحاسب نفسك يومياً، كم عملت على البرنامج؟ وإلى أي مد ى تقدمت؟ فإذا تقدمت فاشكر الله وتواصل، وإلا فتعين على نفسك غرائم مالية وبدنية لتضطر إلى العمل بالبرنامج. ومما يبارك في برنامجك ويقوِّيك للعمل: التقليل من النوم، وترك الكسل، والاجتناب من المعاصي والذنوب، وممارسة الرياضات البدنية والألعاب المناسبة، والتطوير والتنويع في البرنامج، فتنتقل من فن إلى آخر، من عمل إلى آخر حتى ترتاح نفسك، وتزداد نشاطاً في العمل.
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة         إلاّ التنقل من حال إلى حال
ومما يساعد في ترويح النفس: المفاكهة والممازحة المناسبة مع الخلاّن عند التعب، والمشاركة في الأمور الترفيهية والدعوية في بعض الأحيان لتتطور برنامجك.
أفد طبعك المكدود بالجد  راحة         تجمّ وعلِّله بشييء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن         بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
5ـ احترام الأساتذة، ورعاية آداب الكتب وآلات العلم التي تنتفع بها في سبيل الحصول على العلم، فإن مراعاة هذه الأشياء لها أكبر أثر في بركة علمك وتوفيقك للعمل. ومن المهم أن تتواضع لأساتذتك، وتذل لهم، وتتملّق عندهم، لأنك ما دمت لم تذق مرارة العلم وذله، لن تذوق حلاوته وعزّه.
أهين لهم نفسي لكي يكرموها        ولن تكرم النفس التي لا تهينها
وقال بعض الحكماء: العلم عز لا ذل فيه، يحصل بذل لا عز فيه.
6ـ تعاهد زملائك وأصحابك، وتفقّد أحوالهم، والمسايرة معهم، وعليك أن تتحلّى بفضائل تقرِّبك زلفى إلى أصحابك، وتحبِّبك إليهم كالالتزام بالنصيحة، وتنفيس الكرب عنهم، وتقديم الهدايا والتحف إليهم، والإغضاء عن عيوبهم وسترها، والاستشارة معهم في قضاياك المهمة، وحسن الظن بهم، والصبر على أذاهم، والمداراة معهم، وإيثارهم على نفسك، والتواضع معهم، وحسن اللقاء والإصغاء إليهم، وعدم التكلف معهم في الأمور، وتتجنب رذائل الأخلاق كالغيبة، والنميمة، والغدر، والخيانة، والحسد، والخديعة، والهجران، والسب وغيرها من الأمور القبيحة التي تشين بك، وتورث البغضاء في صاحبك، فحذار ألف حذار منها.
7ـ التأنس مع الكتب وتعويد النفس على المطالعة والتكرار، وتدريبها على الإدمان في الكتب، والالتزام بالحضور  في الصف، فإنه إذا فاتك درس لن تعوِّضه ولو طالعته أو راجعته ألف مرة. واجعل الكتب حبيبك الفريد الذي لا يفارقك ولا تفارقه ولو للحظات.
جعلت كتبي أنيسي       من دون كل أنــيس
لأنني لست أرضى       إلا بكـــــل نــفيس
وإياك إياك أن تشتغل في عهد الطلب بأمور الدنيا وتتوغل فيها، وتكثر العلائق مع عامة الناس، وتزيد في أصحابك، فإن ذلك حاجز قوي لتقدمك العلمي، وعامل كبير لشغلك عن العلم والطلب، وانتشار أفكارك، وتشتت بالك.
ولا ينال العلم إلا فتىً        خال من الأفكار والشغل
8ـ مطالعة الكتب الهامشية غير الدراسية، فإن الاكتفاء بالكتب المنهجية لا يروي غلّتك، ولا يوصلك إلى الدرجة المطلوبة من العلم، وحاول أن تتقن الفنون التي ليست هي شاملة في نصاب مدارسنا، وتجعل مطالعتك الهامشية حولها كمطالعة السيرة النبوية وسير الأسلاف وأبطال الإسلام، والتاريخ، والفرق الإسلامية والهدامة  والمذاهب المعاصرة، وحاضر العالم الإسلامي، والغزو الفكري والثقافي، تحديات العصر الحديث، مخططات اليهود، إتقان اللغة العربية إنشاءً ونطقاً، فإن هذه فراغات مهمة يجب أن تملأها في عهد الطلب لكي لا تمضي بعيداً عن متطلبات العصر، ولتكون ثقافتك أوسع، وكلمتك أنفذ، وحظك أوفر، ويمكنك أن تملأها إذا كان لك تخطيط دقيق تحت إشراف أحد من الأساتذة المَهَرة.
9ـ كتابة المقالات العلمية والثقافية، والمشاركة في النوادي والحفلات والمسابقات لإلقاء المحاضرات، وتقديم مقالات علمية إلى المجلات والجرائد المنشورة في الحوزات العلمية بلغتي العربية والفارسية، فإن القيام بهذه الأعمال سوف يجعلك في زمرة الخطباء المبرِّزين، وحمَلَة الأقلام الأفراد، وستلعب دوراً توجيهياً في العاجل القريب.
10ـ مطالعة الكتب الفكرية والدعوية؛ ولك أن تجعل إمام الدعوة في القرن العشرين ومجدّد الفكر الإسلامي في هذا القرن الإمام أبا الحسن علي الندوي إمامك وقدوتك، وتضع في برنامجك أن تطالع من كتبه يومياً بعض الصفحات، فإنها تغذّي روحك، وتنعش همتك، وتصلح عقيدتك، وتقوّي أدبك، وتعطيك فكرة صائبة تستعين بها في إصلاح نفسك ومجتمعك في المستقبل، وتذكّرك برسالتك التي ألقيت على كاهلك، وتملأك أملاً بمستقبل مشرق مضيء. فعليك بكتبه من غرّة هذا العام، ولا تنس قبل بدء دروسك مطالعة كتاب “خود را دريابيد” غير مرة مطالعة متعمقة بقلب واع ونية صادقة، فإنه كتاب يصنعك قبل أن تصنعك الكتب الدراسية، ومحاضرة الأساتذة في الصف.
11ـ الاهتمام بالعبادة، والذكر، والدعاء، وسهر الليالي، والعناية بالأدعية المأثورة، وقراءة فصل من كتاب “مناجات مقبول” يومياً. واعلم أن الدعاء من العبادات التي تغيّر مجرى حياتك، وتجعلك في زمرة الأولياء الصالحين.
أتهزأ بالدعاء وتزدريه        وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل  لا تخطيء ولكن           لها أمـد وللأمــــد انقضاء
12ـ وأخيراً لا تنس يا أخي الطالب المشاركة في المجالس الإصلاحية التي تُعقَد في المدرسة كمجالس فضيلة رئيس الجامعة شيخ الإسلام، وفضيلة العلاّمة المفتي محمد قاسم حفظهما الله ومتّعنا بهما، فإن لها أثراً كبيراً في تربيتك الروحية، وتنميّتك الفكرية والثقافية. وكذلك الذهاب إلى جماعة الدعوة والتبليغ في ليالي الجمعة والإجازات العامة يؤثّر بالغ تأثير في تربيتك، ويجعلك من الدعاة الفائقين المخلصين المُلهَمين. فاجتهد للوصول إلى أهدافك النبيلة، وتكبّد المشاق  في سبيل ذلك، واصبر على مرارة العلم حتى تعانق المجد والعز، وتكون لبنة صالحة لمبنى المجتمع الإسلامي الشامخ.
دببت للمجد والساعون قد بلغوا         جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى ملّ أكثرهم          وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله        لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

بقلم/ أبي عامر محمد جمال
المصدر: مجلة الصحوة الإسلامية (مجلة شهرية تصدر من جامعة دار العلوم بمدينة زاهدان – إيران)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات