اليوم : 15 يوليو , 2008

سليمان بن مهران (الأعمش)

سليمان بن مهران (الأعمش)

Image
الواقع التاريخي المتواتر يشهد على ألسنة الخاصة والعامة بما ركب في الأعمش من نبوغ أهّله لأن يكون رأسا في الطبقة الأولى من علماء التابعين, الذين ورثوا العلم عن الصحابة, وحملوا أمانته, ونقلوه نقيا صافيا إلى من بعدهم, مضيفين إليه نتاج فكرهم, فأثروه بما تولد من قرائحهم.

اسمه:
هو سليمان بن مهران الكاهلي, الإمام, المقري, الراوي, المفتي, الحافظ, شيخ الإسلام, شيخ المحدّثين والمقرئين.
كان كثير العمل, قصير الأمل, من ربه راهباً ناسكاً، ومع عباده لاعباً ضاحكاً.

كنيته:
 أبو محمد.
الأعمش:
 تعرض لمرض في عينيه في صغره, وجراء ذلك أصابه العمش. وهو ضعف في البصر مع سيلان دمع. واشتهر بهذا اللقب.

أصله:
 من دماوند: نَوَاحِي الرَّيِّ.
و دماوند جبل مشهور في شمال إيران.
قال ياقوت في معجم البلدان: جبل عال جدا مستدير كأنه قبة, رأيته ولم أر في الدنيا كلها جبلاً أعلى منه, يظهر للناظر إليه من مسيرة عدة أيام والثلج عليه ملتبس في الصيف والشتاءِ كأنه البيضة وأنه يصعد من ذلك الجبل دخان يضرب إلى عنان السماء.
والناظر إليه من الري يظن أنه مشرف عليه وأن المسافة بينهما ثلاثة فراسخ أو اثنان، وإن البرد فيها شديد, و الريح عظيمة الهبوب.
و دماوند من فتوح سعيد بن العاص في أيام عثمان لما ولي الكوفة سار إليها فافتتحها, وذلك في سنة 29 أو 30 للهجرة.
وقال البُحتري يمدح المعتز بالله:
وزعزعنَ دنباوند من كل وجهة×وكان وقوراً مطمئن الجوانب.

الري:
كانت الري مدينة مشهورة تقع في الطرف الشمالي الشرقي من إقليم الجبال. واسمها عند اليونان راكس ((raxes وفي المئة الرابعة للهجرة خرب أكثرها وتحول أهلها إلى طهران القريبة منها. وفي العصر الإسلامي كانت الري مدينة كبيرة. وقد حكى الاصطخري أنها كانت أكبر من أصبهان.
وطهران العاصمة كانت في العصر الإسلامي من قرى الري. ولكن حاليا صارت الري من توابع طهران الكبيرة.

من الري إلى الكوفة:
اختط المسلمون الكوفة بأمر الخليفة الفاروق رضي الله عنه وأنشأوها, وجعلوها قاعدة منطلقهم إلى أقصى الشمال العراقي, وبلاد فارس وخراسان وما وراء النهر. ولقد اكتظت الكوفة بالجند وبالناس, وكثرت مساجدها, وقصدها الصحابة والمجاهدون والتابعون والأئمة, يأتونها على مختلف مشاربهم ورغباتهم, بعضهم للانخراط في الجيوش الغازية, وبعضهم طلبا للعلم, وبعضهم للكسب والتجارة, إلى آخر ما هنالك من المساعي.
ولقد نزلها والد الأعمش واسمه مهران, سنة إحدى و ستين للهجرة, آتيا إليها من الري, ودخل في ولاء بني كاهل. وكانت زوجته حاملا, ووضعت ولدها سليمان, وعليه فقد عرف فيما بعد بالكوفي ولم يشتهر إلا بهذا النسب.

مولده:
 ومولده سنة ستين للهجرة، وقيل إنه يوم مقتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وكان أبوه حاضراً مقتل الحسين رضي الله عنه.

طلب العلم:
لكل امرئ وجهة هو موليها. فمنذ صغره كان الأعمش ميالا إلى العلم, ومع وجود التكتلات السياسية آنذاك, آثر الأعمش العلم على السياسة.

أساتذته:
سمع داود بن سويد, وأبا وائل, وإبراهيم التميمي, وسعيد بن جبير, ومجاهداً, والنخعي، وزيد بن وهب, ولقي كبار التابعين.
و رأى أَنسَ بنَ مالكٍ, ولكنه لم يسمع منه.
قال الأعمش: رأيتُ أنس بن مالك وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي.

تلامذته:
روى عنه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وحفص بن غياث وأبو حنيفة وأبو إسحاق السبيعي وشعبة وخلق كثير من جلة العلماء.

سعة العلم:
برع في مجالات ثلاثة: علوم القرآن, والحديث, والفرائض, وكان في كل منها إماما وقدوة. وقصده خلق كثير, منهم الإمام الأعظم أبو حنيفة وسفيان الثوري, وشعبة بن الحجاج, وغيرهم من جلة العلماء.
وهذه العلوم الثلاثة من أهم العلوم الإسلامية, و أكثرها صعوبة, تتطلب دراية واسعة واتقانا عظيما, وفقها عميقا, وقد أتقنها الأعمش, حتى أصبح فيها إماما ورأسا.

المحدّث:
 ذكرت له في كتب الصحاح والسنن عدة زادت على ألف وثلاثمائة حديث؛ وهذا يشهد له بطول الباع.
قال البخاري، عن علي ابن المديني: له نحو ألف وثلاث مئة حديث.

الفقيه:
وعلم الفرائض قلَّ من اشتهر بها؛ وكان الأعمش أحد المبرزين فيها, يرجع إليه, ويعتمد عليه.
قال مغيرة: لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعمش في الفرائض.

الناقد:
قال أبو بكر بن عياش: كنا نسمي الأعمش سيد المحدثين، وكنا نجئ إليه إذا فرغنا من الدوران، فيقول: عند من كنتم ؟ فنقول: عند فلان.
فيقول: طبل مخرق ويقول: عند من ؟ فنقول: عند فلان فيقول: طير طيار.
ويقول: عند من ؟ فنقول: عند فلان.
فيقول: دف.
وكان يخرج إلينا شيئا فنأكله،
فقلنا يوما: لا يخرج إليكم الأعمش شيئا إلا أكلتموه.
قال: فأخرج إلينا شيئا فأكلناه، وأخرج فأكلناه، فدخل فأخرج فتيتا فشربناه، فدخل فأخرج أجانة صغيرة وقتا، فقال: فعل الله لكم وفعل، أكلتم قوتي وقوت امرأتي، وشربتم فتيتها هذا كلوه علف الشاة ! قال: فمكثنا ثلاثين يوما لا نكتب فزعا منه حتى كلمنا إنسانا عطارا كان يجلس إليه حتى كلّمه لنا.

القارئ:
قال الأعمش: قرأت القرآن على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى على علقمة – أو مسروق – وقرأ هو على عبد الله بن مسعود، وقرأ عبد الله بن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال هشام ما رأيت بالكوفة أحدا أقرأ لكتاب الله عز وجل من الأعمش.

مجالسه العلمية:
توزع نشاط الأعمش العلمي بين المسجد وبيته؛ كان يجلس في المسجد للدرس فيجتمع حوله خلق كثير. وقد أوتي رحمه الله طلاقة في اللسان, وإسهابا في الشرح والبيان, وإلماما واسعا بجوانب الموضوع الذي يتحدث فيه وعنه.
أما بيته فكان بابه مفتوحا لكلّ الطلاب, فكان يأتيه الناس على مختلف مراتبهم في العلم, ومراكزهم في السلطة.

المزاح:
هذه الشخصية العلمية الفذة, وهذا العملاق الذي تهابه السلاطين والملوك, وذوو النفوذ, كان صاحب دعابة لطيفة, ومزاح خفيف, متأدبا بأدب الرسول صلى الله عليه وسلم, الذي كان يمازح أحيانا أصحابه, ولا يقول إلا صدقا.
جاءه من طلبة العلم في الحديث يوماً ليسمعوا منه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي مَن هو أبغض إليّ منكم ما خرجت إليكم.(يقصد زوجته) قال ذلك على سبيل المداعبة والمزاح لهم.
وجرى بينه وبين زوجته كلام، ثم ندم على إحراجها, وكان يأتيه رجل يقال له أبو ليلى مكفوف فصيح يتكلّم بالإعراب يتطلب الحديث منه، فقال: يا أبا ليلى، امرأتي نشزت علي وأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها مكاني من الناس وموضعي عندهم، فدخل عليها وكانت من أجمل أهل الكوفة, فقال: يا أختاه إن الله قد أحسن قسمتك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا وحلالنا, فلا يغرّنك عموشة عينيه ولا حموشة ساقيه، فغضب الأعمش وقال: يا أعمى يا خبيث، أعمى الله قلبك كما أعمى عينيك، قد أخبرتها بعيوبي كلها؛ أخرج من بيتي.
وأراد إبراهيم النخعي(وكان أعور) أن يماشيه فقال الأعمش: إن الناس إذا رأونا معاً قالوا: أعور وأعمش، قال النخعي: وما عليك أن نؤجر ويأثموا فقال له الأعمش: وما عليك أن يسلموا ونسلم.
وجاء رجل يطلبه في منزله ووصل وقد خرج مع امرأته إلى المسجد فجاء فوجدهما في الطريق فقال: أيكما الأعمش فقال الأعمش: هذه، وأشار إلى المرأة.
ودخل الحمام يوماً وجاء رجل حاسر، فقال له الرجل: متى ذهب بصرك؟ فقال: مذ بدت عورتك.
قال جرير: جئنا الأعمش يوماً فوجدناه قاعداً في ناحية, فجلسنا في ناحية أخرى وفي الموضع خليج من ماء المطر، فجاء رجل، فلما بصر بالأعمش وعليه فروة حقيرة قال: قم فعبّرني هذا الخليج، وجذب يده وأقامه وركبه وقال: (سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مُقرنين). فمضى به الأعمش حتى توسط به الخليج فرمى به وقال: (رب أنزلني مُنزَلاً مباركاً وأنتَ خيرُ المنزلين). ثم خرج وترك الأسود يخبط في الماء.
وكان الأعمش إذا رأى ثقيلاً قال: كم غرضك تقيم في هذه البلدة.
وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك. فقال: لا بأس بها على غير وضوء، فقال: ما تقول في شهادة الحائك فقال: تقبل مع عدلين. فضحكا. ويقال إن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه عاده يوماً في مرضه، فطول القعود عنده، فلما عزم على القيام قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك، فقال: والله إنك لتثقل علي وأنت في بيتك.
 وعاده أيضاً جماعة من أصحابه, فأطالوا الجلوس عنده فضجر منهم، فأخذ وسادته وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية؛ تصبحون على خير.
وكانت له نوادر كثيرة.

من صفاته وخلقه:
كان من النّساك والعباد، ولا يفوته الصلاة بل كان محافظا على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول. وكان يجيء يلتمس الحائط، حتى يقوم في الصف الأول.
كان فصيحا، لا يلحن حرفا.
وكان يخضب خضابا خفيفا.
وكان مدلسا.
قال الإمام الذهبي: إنَّ الرجلَ مع إِمَامَتِه كان مُدَلِّساً.

ذكاءه:
وقال زهير بن معاوية: ما أدركت أحدا أعقل من الأعمش ومغيرة.
وقال أحمد بن عبدالله العجلي: كان ثقة ثبتا في الحديث، وكان محدث أهل الكوفة في زمانه، يقال: إنه ظهر له أربعة آلاف حديث ولم يكن له كتاب، وكان عالما بالفرائض، ولم يكن في زمانه من طبقته أكثر حديثا منه.

ثناء العلماء عليه:
قال أبو نعيم الإصفهاني:
الإمام المقري، الراوي المفتي، كان كثير العمل، قصير الأمل، من ربه راهباً ناسكاً، ومع عباده لاعباً ضاحكاً، سليمان بن مهران الأعمش.

وقال هشيم: « ما رأيت بالكوفة أحدا أقرأ لكتاب الله، ولا أجود حديثا من الأعمش، ولا أفهم، ولا أسرع إجابة لما يسأل عنه من ابن شبرمة »
وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن والقرن الذي قبلنا مثل الأعمش: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.
وقال علي بن المديني: حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ستة: عمرو بن دينار بمكة, والزهري بالمدينة, وأبو إسحاق السبيعي والأعمش بالكوفة, وقتادة ويحيى بن أبي كثير بالبصرة.
وقال عاصم الأحول: مر الأعمش بالقاسم بن عبد الرحمان فقال: هذا الشيخ أعلم الناس بقول عبدالله بن مسعود.
يقول عيينة: سبق الأعمش أصحابه بأربع خصال: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض.
وقال أحمد بن حنبل: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة.
قال الذهبي: كان رأسا في العلم النافع والعمل الصالح.
قال يحيى بن معين: كان جرير إذا حدث عن الأعمش، قال: هذا الديباج الخسرواني.
وقال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش.
وقال عبدالله بن داود الخريبي: مات الأعمش يوم مات وما خلف أحدا من الناس أعبد منه، وكان صاحب سنة.

عبادته وزهده:
قال وكيع: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة فما رأيته يقضي ركعة.

ورعه وخوفه من الله تعالى:
والأعمش فقير, صبور, مجانب للسلطان, ورع, عالم بالقرآن.
قال زائدة بن قدامة: تبعت الأعمش يوماً، فأتى المقابر فدخل في قبر محفور فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب عن رأسه ويقول: وا ضيق مسكناه.

من أبياته:
وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه:
إنا نعزيك لا أنا على ثقة …………. من البقاء ولكن سنة الدين
فلا المعزى بباق بعد ميته ….. ولا المعزي وإن عاشا إلى حين

آراء علماء الجرح والتعديل:
قال يحيى بن معين: الأعمش ثقة.
وقال النسائي: ثقة ثبت.

من أقواله:
قال ابن عيينة: رأيت الأعمش لبس فروا مقلوبا، وبتا تسيل خيوطه على رجليه، ثم قال: « أرأيتم لولا أني تعلمت العلم، مَن كان يأتيني ؟ لو كنتُ بقّالا كان يقذرني  الناس أن يشتروا مني »
قذر الشيء: كرهه وأنف منه.
« لولا القرآن، وهذا العلم عندي، لكنت من بقالي الكوفة »
قال: « لا تنثروا اللؤلؤ تحت أظلاف الخنازير »
الظلف: الظفر المشقوق، والمقصود لا تقولوا الحديث لمن لا يستحق.
قال: إن الله زين بالقرآن أقواما وإني ممن زيَّنهُ اللهُ بالقرآن, ولولا ذلك لكان على عنقي دن أطوف به في سكك الكوفة.

وفاته:
مات في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة.
رحمه الله تعالى.

 

الكاتب: الشيخ عبدالحميد جمعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المنابع:
وفيات الأعيان(ج2/ص400) ابن خلكان دار صادر بيروت.
تهذيب الكمال(ج12/ص83) المزي.
مسند ابن الجعد(ج2/ص229).
طبقات الحفاظ(ج1/ص12) السيوطي موقع الوراق.
الثقات لابن حبان(ج4/302) ابن حبان.
تهذيب التهذيب(ج4/ص195) ابن حجرالعسقلاني.
سير أعلام النبلاء(ج11/ص283) الذهبي , مؤسسة الرسالة.
حلية الأولياء(ج2/ص281) أبو نُعيم الإصفهاني.
مشاهير علماء الأمصار(ج1/ص179) ابن حبان.
تذكرة الحفاظ(ج1/ص154) الإمام الذهبي.
غاية النهاية في طبقات القراء(ج1/ص138) ابن الجزري .
تعريف بالأماكن الواردة في البداية والنهاية لابن كثير – (ج 2 / ص 136)
معجم البلدان – (ج 2 / ص 376).لياقوت الحموي.

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات