أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (10 شعبان 1447)، أن “خطر اندلاع الحرب” يعد أهم تهديد يواجه البلاد، وأن “عدم رضا الشعب الواسع” هو أكبر تحد قائم، مشددا على أن “الاستجابة لمطالب الشعب الإيراني” هي الطريق الأفضل لتجنب الحرب والخروج من الأزمات الراهنة.
عدم رضا الشعب الإيراني حقيقة
قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن الغالبية الساحقة من الشعب الإيراني صوّتت، قبل نحو خمسين عاما، وبعد انتصار الثورة عام 1979، لصالح “الجمهورية الإسلامية”، أملا في تحقيق الرخاء والسعادة لأنفسهم ولأجيالهم القادمة.
وأضاف أن الشعب الإيراني دعم الثورة، وبعد انتصارها ضحّى بأرواح كثيرة دفاعا عن الحدود والأمن والسلام، ولبّى نداء المسؤولين، وشارك بحماس في مختلف الميادين. لكنه أكد أن الواقع اليوم، ومن دون مبالغة، يشير إلى أن الشعب الإيراني بات غير راض، ويعاني من الشكوى والضيق.
الشعب الإيراني يعاني منذ عشرين عاماً من آثار العقوبات
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد: من جملة معاناة الشعب أنهم يكافحون منذ نحو عشرين عاما آثار العقوبات الاقتصادية، إذ كان المسؤولون في ذلك الوقت يعدون الناس ببلوغ قمم النجاح والتقدم، بينما يعيش المواطنون اليوم في فقر شديد وقلق واضطراب.
وأردف قائلا: طوال هذه السنوات دعوت المسؤولين إلى الاستماع لصوت الشعب، والتحاور معه، والاهتمام بمطالبه؛ فإن كانت هذه المطالب غير عادلة فيجب توضيح ذلك للناس، وإن كانت عادلة يجب الاستجابة لها. لكن، وللأسف، لم يتم الإصغاء إلى صوت الشعب، فخرج المحتجون مرارا، وتعرضوا للمشكلات والموت، وتكبدوا خسائر كبيرة. وفي الانتفاضة الأخيرة المعروفة لدى الشعب الإيراني والرأي العام العالمي، وقعت خسائر بشرية فادحة.
إن أرادت أغلبية الشعب نظاما آخر، فعلى المسؤولين قبول ذلك
وخاطب فضيلة الشيخ عبد الحميد المسؤولين قائلا: اجلسوا مع الشعب وانظروا ماذا يريد وماذا يطلب. ولو كنتُ مكانكم لفعلت ذلك، ولعملت على تلبية مطالبهم.
وأضاف: لو كانت إدارة البلاد بيدي، وأعلنت الأغلبية، لا الأقلية، رغبتها في نظام غير النظام الإسلامي، لما تمسّكتُ بالنظام الإسلامي، لأنني أؤمن بأن الدين لا يفرض بالإكراه، ولا يمكن إدخال الناس الجنة بالقوة. كما قال الله تعالى: «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ». يعني أن الحق قد اتضح من الباطل، وبعد ذلك يختار كل إنسان طريقه، وينال نتيجة اختياره خيرا كان أو شرا.
«الجمهورية الإسلامية» استمدت شرعيتها من الشعب.. فاسألوا الشعب اليوم أيضا عما يريد
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان إن الجمهورية الإسلامية نالت شرعيتها من أصوات الأغلبية الساحقة للشعب الإيراني، مؤكدا أن من الضروري اليوم العودة إلى هذا الشعب نفسه الذي صوّت قبل نحو نصف قرن لصالح الجمهورية الإسلامية، وسؤاله عمّا يريد.
وأضاف: الشعب هو ولي النعمة عليكم، وشرعيتكم وشرعية النظام مستمدة من رأيه. فجميع مسؤولي الدولة في الجمهورية الإسلامية وصلوا إلى مناصبهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر أصوات الشعب، وكذلك القيادة جاءت بالواسطة من خلال اختيارات الشعب.
وأكد أن الشعب هو الأصل وصاحب البلاد، ولا يجوز الوقوف في مواجهته أو قمعه، مشددا على أن احترام إرادة الشعب هو الأساس في بقاء الشرعية والاستقرار.
إن استجبتم لمطالب الشعب فلن تقدر أيّ قوة على حربكم
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد: في الظروف الراهنة التي تهدد فيها الحرب إيران بشكلٍ خطير، وتنتشر حالة من الانقسام وعدم الرضا بين الشعب، فإن أفضل وسيلة لمنع الحرب، هي الاستجابة لمطالب الشعب الإيراني والتفاهم معه.
وأضاف: إذا لبّيتم مطالب الشعب، فلن تستطيع أي قوة في العالم أن تحاربكم، وستتجنبون الحرب. لكن إذا خسرتم دعم الشعب فالوضع سيكون في غاية الخطورة.
وتابع فضيلته قائلاً: خلال الحرب الثمانينية التي أعقبت الثورة، لم يكن النصر بسبب الحكومة وحدها، بل بسبب القوة الشعبية المؤيدة لها؛ فالقوة الحكومية محدودة، وأمّا قوة الشعب فهي قوة من الله.
معظم من قُتلوا لم يكونوا “مخرّبين” أو “مشاغبين”
وأضاف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلاً: إن معظم الذين سقطوا في الاحتجاجات الأخيرة لم يكونوا “مخربين” أو “مشاغبين”، مؤكدا أن وصف جميع المتظاهرين بهذه الصفات أمر غير صحيح وغير عادل.
وتابع: قال أحد المسؤولين قولا صائبا حين دعا إلى عدم وصف جميع أبناء الشعب بالمخربين، فكما هو الحال في كل دول العالم، قد يوجد بعض الشباب المتحمسين الذين يتصرفون أحيانا بتهور، إلا أن الغالبية العظمى من المتظاهرين كانوا معترضين سلميين، ومع ذلك قُتلوا في مأساة مؤلمة للغاية.
وشدد فضيلته على أنه إذا بقيت فرصة لتدارك الأوضاع، فإن الطريق الأعدل والأحكم أمام الحكومة هو الإصغاء إلى صوت الشعب والاستجابة لمطالبه، بما يتيح لأغلبية الشعب الإيراني أن تحدد مستقبل البلاد بإرادتها الحرة عبر صناديق الاقتراع.
“رضا الله تعالى” و”مصلحة الشعب” هدفي في مواقفي
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد إن رضا الله تعالى ومصلحة الشعب هما الهدفان الرئيسيان من مواقفه وكلماته، مؤكدا أن هذا هو ما يسعى إليه قبل أي اعتبار آخر، مضيفا: إن مت في سبيل هذين الهدفين فسأكون سعيدا.
وأوضح أنه لا يسعى إلى منصب أو جاه، وإنما يتحدث بصفته ناصحا أمينا، مشددا على أن كلمة الناصح ينبغي أن تُسمع بغض النظر عن مكانته أو موقعه.
قتل إنسانٍ بغير حقّ كقتل الناس جميعاً
وفي قسم آخر من خطبته، تحدّث فضيلة الشيخ عن «مكانة الإنسان وكرامته» عند الله تعالى، وقال: إن الله جعل الإنسان أشرف المخلوقات، وسخّر له كلّ ما في السماوات والأرض ليعود عليه بالنفع.
وأضاف: إن الله تعالى اعتبر قتل الإنسان ظلماً بمثابة قتل الناس جميعاً، وأرسل الرسل والكتب السماوية لهداية البشرية وسعادتها في الدنيا والآخرة، كما وضع للناس نظم الحياة الدنيوية ووسائلها.
حين يجوع الشعب أو يشعرون بالخوف، لا يحق للحاكم أن ينام مرتاحا
وتابع فضيلة الشيخ قائلاً: النظام الإلهي هو الذي وضع نظام الحكم بين الناس، ليختاروا حكوماتٍ تمثلهم وتعمل من أجل مصالحهم وأمنهم ورفاههم، وتُخطط للتعليم والاقتصاد والصحة وغيرها.
وأضاف: تكون الحكومة نعمةً حين تهتم بحياة الناس وكرامتهم، فحين يجوع الناس أو يشعرون بعدم الأمان لا يجوز للحاكم أن ينام مرتاحاً، وإذا كان الشعب يشتكي فعلى الحاكم أن يشعر بألمهم ويقاسمهم همومهم.
وقال: إن الله يحبّ الحكومات التي تَرحم شعوبها وتهتمّ بالإنسانية بغضّ النظر عن الدين والعقيدة، ويحبّ الحكّام الذين ينزلون من مناصبهم ليجلسوا مع الناس ويتحاوروا معهم ويستجيبوا لمطالبهم، لأنّ الحوار والإنصات للشعب من علامات الحكومات التي يرضاها الله تعالى.
الاختطاف والابتزاز المالي من أبشع الجرائم ومكافحتهما واجب الدولة
وفي الجزء الختامي من كلمته، استنكر فضيلة الشيخ عبد الحميد بشدّة “ظاهرة الاختطاف وابتزاز الأموال”، وقال: إنّ الاختطاف من أسوأ وأقبح الأفعال، وإنّ الذين يقومون باختطاف الناس من أجل الابتزاز يُعدّون من أسوأ البشر، كما أنّ أسوأ مالٍ هو المال الذي يُكتسب بهذه الطريقة. وإنّ موت الإنسان وأبنائه جوعًا خيرٌ له من أن يكتسب رزقه ويعيش من طريق الابتزاز والسرقة والنهب.
وأكد فضيلته أن مواجهة ظاهرة الاختطاف وملاحقة مرتكبيها تقع على عاتق الحاكمية والدولة، مشددا على أن من واجبهما التصدي الحازم لهذه الجرائم ووضع حد لها، حفاظا على أمن المجتمع وكرامة الناس.

تعليقات