فضيلة الشيخ عبد الحميد في خطبة الجمعة:

الشعب الإيراني يرحب بتوقيع مذكرة التفاهم

الشعب الإيراني يرحب بتوقيع مذكرة التفاهم

أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، في خطبة الجمعة (4 محرم 1448)، أن توقيع مذكرة التفاهم للسلام بين إيران والولايات المتحدة يصبّ في مصلحة الشعب الإيراني. وشدّد على ضرورة «مكافحة الفساد» و«استبدال العناصر الفاسدة والمتطرفة بكفاءات معتدلة»، لضمان تحقيق أهداف هذه الاتفاقية وصون مصالحها، معتبراً أن ذلك يمثل شرطاً أساسياً لبناء «إيران مزدهرة ومستقرة».

الشرق الأوسط هو الشريان الاقتصادي الحيوي للأمم؛ والحفاظ على أمنه هو مقتضى العقل والسياسة السديدة
وصرّح فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلاً: إننا جميعًا نشعر بالارتياح لتوقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة. فنحن دعاة سلام، ونرى في هذا الاتفاق مصلحة للعالم أجمع، ونعتقد أنه سيعود بالنفع على الشعب الإيراني.
وأضاف: إن منطقة الشرق الأوسط تمثل الشريان الاقتصادي الحيوي للشعوب والدول في العالم، إذ تعتمد دول كثيرة على موارد الطاقة القادمة من هذه المنطقة. ولذلك فإن مقتضى العقل والحكمة السياسية أن تنعم منطقة الشرق الأوسط بالأمن والاستقرار، بعد ما شهدته خلال السنوات الماضية من صراعات وحروب.
وتابع: إن استقرار المنطقة وأمنها يهيئان الظروف لاستفادة جميع الشعوب والدول من خيراتها وإمكاناتها في أجواء من السلام والأمان.

الشرق الأوسط بحاجة إلى «سلام شامل ودائم» يضع حدًا لكافة النزاعات
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: إن منطقة الشرق الأوسط في أمسّ الحاجة إلى سلام شامل وعادل ودائم، يضع حدًا للنزاعات والصراعات التي أنهكت شعوب المنطقة على مدى سنوات طويلة.
وأضاف: وينبغي أن يشمل هذا السلام معالجة مختلف الأزمات القائمة، بما في ذلك إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وإنهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كما يجب أن تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية عبر مسار سلمي.
وأكد فضيلته: إن العالم بحاجة إلى اتفاقية دولية شاملة توقع عليها الدول كافة، تضع الخلافات الماضية وراءها، وتمنح الشعوب فرصة العيش في أمن واستقرار وطمأنينة.

المواطنون يخشون ضياع الأصول المحتجزة التي سيتم الإفراج عنها
وفي جزء آخر من خطبته، تطرق خطيب أهل السنة في زاهدان إلى القضايا والمشكلات الداخلية في البلاد، قائلاً: إن الفساد مستشرٍ في قطاعات عديدة من البلاد، وهذا أمر لا يخفى على أحد. وكان رفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المحتجزة من أبرز مطالب الشعب الإيراني، كما أنه من البنود المهمة في مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما بعث الأمل والارتياح في نفوس المواطنين.
وأشار فضيلته إلى مخاوف الشعب قائلاً: غير أن الهاجس الأكبر لدى المواطنين يتمثل في احتمال ضياع جزء من هذه الأصول والأموال بعد الإفراج عنها إذا لم تتم مكافحة الفساد المالي القائم في البلاد. فهناك خشية حقيقية من أن تُهدر هذه الموارد بسبب الفساد، بدل أن تُسخَّر لخدمة الشعب ومعالجة مشكلاته.
وأضاف: ومن المؤسف أن يُحرم الشعب الإيراني، الذي تحمل سنوات طويلة من المعاناة والجوع والضغوط الاقتصادية، من الاستفادة من هذه الأموال، وألا تُسهم في تحسين أوضاعه المعيشية وحل أزماته المتراكمة.

لا بد من إعفاء العناصر «العاجزة» و«الفاسدة» و«المتطرفة»
وفي معرض نصائحه للمسؤولين، صرّح فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلاً: إن مذكرة التفاهم والصلح الذي تم التوصل إليه يصبّ في مصلحة الشعب الإيراني الذي عانى سنوات طويلة من الأزمات والصعوبات. غير أن نجاح هذا المسار مشروط أولاً بقيام المسؤولين، من دون أي محاباة أو تمييز، بإعفاء العناصر العاجزة والمتورطة في الفساد، واستبدالها بأشخاص أكفاء وأصحاب ضمائر حية ينأون بأنفسهم عن الفساد. فما لم يُجتث الفساد من إيران، فلن تتمكن البلاد من بلوغ ما تطمح إليه من تقدم وازدهار.
وتابع قائلاً: أما الأمر الثاني، فهو إبعاد العناصر المتطرفة والمتشددة، لأن التطرف كان سبباً لكثير من المشكلات والمعاناة التي واجهها الوطن والشعب. وقد قيل مراراً إن التطرف يضر بالدين والمذهب، ويدمر الدول والأمم، ويدفعها نحو التراجع والهلاك.
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان ضرورة إسناد المسؤوليات العليا ومراكز صنع القرار إلى شخصيات معتدلة ومتوازنة، قائلاً: ينبغي أن يتولى السياسيون المعتدلون المواقع الإدارية العليا ومراكز القرار الاستراتيجي، حتى تسير البلاد في الاتجاه الصحيح. فما لم تلتزم الدولة بالمسار الصحيح والوسطي، فلن تُحل المشكلات.

لا بد من صياغة السياسات الداخلية والخارجية بما يخدم «مصالح إيران والعالم» ويعزز «العلاقات الحسنة مع الأمم»
وشدد خطيب أهل السنة في زاهدان على ضرورة «تغيير السياسات الداخلية والخارجية»، موضحا أن ذلك يمثل مطلبا عاما للشعب الإيراني، مؤكدا أن السياسات الخارجية ينبغي أن تُبنى على أساس مصالح إيران والعالم، وعلى الاحترام المتبادل وإقامة علاقات طيبة مع مختلف الشعوب والدول.
وأضاف: لقد شهدت البلاد في السنوات الماضية احتجاجات شعبية سقط خلالها عدد من الضحايا، ويُرجى أن يُصغى لصوت الشعب وتُراعى مطالبه، وأن تُعاد صياغة السياسات الداخلية والخارجية بما يخدم مصالح المواطنين والبلاد.
وأشار فضيلته إلى أن الشعب الإيراني يتكون من قوميات ومذاهب وأديان متعددة، قائلا: من الضروري أن تُراعى حقوق جميع المكوّنات في ظل الظروف الجديدة للبلاد، فإذا تمكن المسؤولون من إرساء العدل والإنصاف بين القوميات والمذاهب، ورعاية حقوق المرأة، وتوفير الحريات اللازمة للناشطين والأحزاب والمنظمات، ورفع القيود المفروضة في السنوات الماضية، عندها فقط يمكن لإيران أن تكون دولة مزدهرة.

لا يمكن إدارة إيران من خلال السياسات الطائفية
وفي جزء آخر من خطبة الجمعة، أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على أنه لا يمكن إدارة إيران عبر تبني سياسات طائفية ضيقة، لأن هذا النهج لا يتيح إدارة شؤون البلاد بشكل شامل وعادل لجميع أجزائها، إذ إن الشعب الإيراني ليس طائفة واحدة، بل يضم الشيعة والسنة، والمسلمين وغير المسلمين، والسياسات القائمة على أسس طائفية تؤدي إلى حالة من الاستياء لدى مختلف المكوّنات.
وأضاف: أما إذا صيغت السياسات الداخلية والخارجية بما يحقق مصلحة الشعب في دينه ودنياه، وبما يراعي العدالة والإنصاف، فإن الله تعالى والناس سيشهدون لهذه السياسات بالقبول والدعم. واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105].

أوقفوا الإعدام ومصادرة أموال المحتجين
وفي سياق متصل، أعرب خطيب أهل السنة في زاهدان عن أسفه وقلقه إزاء تزايد عمليات الإعدام في البلاد، قائلاً: للأسف شهدت البلاد مؤخراً ارتفاعاً في معدلات الإعدام، وقد وردت رسائل من داخل السجون تفيد بوجود أعداد كبيرة من المحكومين الذين ينتظرون تنفيذ الحكم، مع ملاحظة أن نسبة الإعدامات في بلوشستان والبلوش مرتفعة.
ووجه فضيلته نداءه إلى المسؤولين قائلاً: لقد قلنا ذلك في السابق ونكرره اليوم: أوقفوا هذه الإعدامات. فهناك انطباع لدى شريحة واسعة من الشعب الإيراني بأن هذه الإعدامات ذات طابع سياسي وتهدف إلى كبح الاحتجاجات، حتى وإن جرت تحت ذريعة مكافحة المخدرات.
كما دعا فضيلته إلى وقف مصادرة أموال المحتجين، مؤكداً ضرورة معالجة هذه القضايا بما يحقق العدالة ويخفف من الاحتقان الاجتماعي.

نتمنى للشعب الإيراني أن يعيش بكرامة وطمأنينة
وتابع خطيب أهل السنة في زاهدان حديثه قائلا: أنا لا أعتبر نفسي ممثلا للشعب، بل أتحدث بصفتي مواطنا يريد الخير للبلاد، وينشد العدالة والازدهار لإيران، ويتمنى أن يعيش شعبها بكرامة وعزة في هذا العالم، وأن ينعم بحياة هادئة ومستقرة.
وأضاف مخاطبا المسؤولين: لسنا أعداء لكم ولا نضمر لكم السوء، بل نرجو لكم الخير ونهتم بمصلحتكم. ولو أُخذت التحذيرات التي أطلقتها في الماضي بعين الاعتبار، لما وقعت حرب، ولما تكبّد الشعب الإيراني كل هذه الخسائر.

التعامل مع النساء المحتجات في جنوب كرمان كان «مهيناً»
وفي جزء آخر من خطابه، أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الأحداث الأخيرة في منطقتي “تفتان” بمحافظة سيستان وبلوشستان وجنوب محافظة كرمان، قائلاً: لقد خرجت مؤخراً مجموعة من النساء في تفتان وفي جنوب كرمان للاحتجاج على أنشطة تعدين في تلك المناطق، وقد شهدت هذه الاحتجاجات تعاملاً من قبل السلطات وُصف بأنه مهين للغاية في محافظة كرمان.
وشدد فضيلته قائلاً: أطالب المسؤولين في قوات الشرطة وسائر المسؤولين في محافظة كرمان بالاهتمام بهذا الموضوع ومعالجته، والاستماع إلى صوت هؤلاء النساء ومطالبهن.

سكان تفتان تضرروا من التعدين؛ يجب مراعاة مصالح أهالي المنطقة في هذه المناجم
وتابع قائلا: فيما يخص احتجاجات نساء منطقة تفتان، فقد وقعت تجاوزات في التعامل معهن، ورغم إعلان المسؤولين عن نيتهم إجراء تحقيق في الموضوع، فإن النقطة الجوهرية تتمثل في أن سكان تفتان تضرروا من عمليات التعدين، لا سيما في قطاعي الزراعة وتربية المواشي.
وأضاف: ما لم يتم الاستماع إلى صوت أهالي تفتان ومراعاة حقوقهم ومصالحهم، فإن احتمال تكرار مثل هذه الاحتجاجات يظل قائما، وبالتالي لا بد من معالجة جذور المشكلة وضمان أخذ مصالح أبناء المنطقة بعين الاعتبار في إدارة هذه المناجم.

على المسؤولين حل مشكلة انقطاع المياه في مدينة زاهدان؛ وإدارة مياه سيستان يجب أن تكون سليمة
وفي ختام هذا الجزء من الخطبة، تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى مشكلة الانقطاع المتكرر للمياه في مدينة زاهدان، قائلاً: نطالب المسؤولين في المدينة بمعالجة هذه المشكلة، وبذل أقصى الجهود لتقليل ساعات الانقطاع، وإن تعذر ذلك فعلى الأقل يجب إدارتها بشكل يضمن التوزيع العادل للمياه بين المواطنين.
كما أعرب عن شكره مجدداً للإمارة الإسلامية في أفغانستان على إطلاق المياه نحو منطقة سيستان، معرباً عن أمله في استمرار هذا النهج، وداعياً إلى “إدارة سليمة لمياه سيستان” بما يضمن عدم جفاف المحاصيل الموسمية التي يعتمد عليها أهالي المنطقة.

«مراعاة حقوق الله والعباد» سبب لنهضة الأمم وسمعتها الطيبة
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في بداية خطبة الجمعة إلى تقلبات التاريخ، موضحا أن حياة البشر شهدت صعودا وهبوطا؛ إذ بلغت بعض الأمم ذروة التقدم، بينما واجهت أخرى الانحدار والفشل.
وأضاف أن أي أمة راعت حقوق الله وحقوق العباد، وكانت نافعة للآخرين وسارت في طريق العدل والإنصاف، نالت الرقي والسمعة الحسنة. وأكد أن أعظم حق لله هو «التوحيد»، بينما تتمثل حقوق العباد في عدم الظلم والاعتداء.
وأشار إلى أن العصور التي ضاعت فيها الحقوق وسُفكت فيها الدماء بغير حق، شهدت عقاب الله للأمم الظالمة، كما ورد في القرآن الكريم.
وأوضح خطيب أهل السنة أنه مع ظهور الإسلام وبعثة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، انتهى عصر الشرك والنزاعات القبلية، وحلّ مكانه التوحيد والأخلاق والعدل في شبه الجزيرة العربية، مضيفا أن مكة والمدينة تنعمان بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين لما شهدتاه من نشر قيم العدل والرحمة.

مع تولي يزيد السلطة، حلّ القلق والاضطراب في العالم الإسلامي
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أنه ظل هذا المناخ السائد في شبه الجزيرة العربية ما دام الصالحون في سدة الحكم، إلا أنه عندما تولّى يزيد السلطة، برزت حالة من القلق والاضطراب في العالم الإسلامي.
وأضاف أن عددا من كبار الصحابة، من بينهم عبد الله بن الزبير، رفضوا مبايعته، ولم يروا فيه أهلا لقيادة العالم الإسلامي.
وتابع قائلا: سعى يزيد إلى تثبيت حكمه من خلال إسناد المناصب إلى شخصيات غير كفؤة تدعمه وتُحكم قبضته على السلطة، ما أدى إلى انتشار الفساد وتزايد الاعتراضات في المجتمع. ومن ذلك إعلان عبد الله بن الزبير رفضه للحكم وتأسيسه وجودا سياسيا في مكة المكرمة.
واستطرد: أما سيدنا الحسين رضي الله عنه، فقد تحرك استجابة لنداءات أهل الكوفة وإحساسه بالمسؤولية، لتقع بعد ذلك أحداث جسيمة سجلها التاريخ، حيث نال من وقفوا ضده الخزي، بينما سُجلت نهضته وأصحابه كنهضة من أجل العدل والإنصاف، وأكرمهم الله تعالى بالشهادة.

يجب أن يُحفظ أمن مراسم عزاء الشيعة
وفي ختام خطبته، شدد خطيب أهل السنة في زاهدان على ضرورة «حفظ أمن مراسم عزاء محرم»، قائلا: إن الإخوة الشيعة يحيون في هذه الأيام مراسم العزاء وفق فقههم ومذهبهم، ونصيحتي للداخل والخارج هي مراعاة أوضاعهم لتمكينهم من إقامة شعائرهم الدينية بأمان.
وأكد قائلا: إن التحريض وإثارة التوترات من أي طرف كان، أمر غير مقبول. ويجب أن يتمتع الجميع بالحرية الدينية بما يتيح لكل فرد إقامة شعائره بحرية، إذ إن «الحرية الدينية» مكفولة ومؤكد عليها في القوانين الدولية وفي تعاليم الدين الإسلامي.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات