وصف فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (21 جمادى الثانية 1447) الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب بأنها “حَرِجة للغاية”، وخاطب مسؤولي البلاد قائلاً: لا يمكنكم التهرب من المسؤولية والقول بأنه لا يمكن فعل شيء من جانبكم، بل يجب أن تكونوا مسؤولين عن تلبية احتياجات الشعب. إذا عجزتم عن فعل أي شيء، فمن الأفضل أن تتنحوا عن مناصبكم ليأتي آخرون يملكون القدرة على تولي المسؤولية.
الأحكام الإلهية في الأديان السماوية تغيرت بناءً على ظروف واحتياجات البشر
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد في بداية كلمته: جميع الأديان السماوية اشتركت في ثلاثة أصول أساسية هي: “التوحيد”، و”المعاد”، و”النبوة”، ولم يحدث أي تغيير في هذه الأصول الثلاثة. ومع ذلك، كانت أحكام كل دين وشريعة مختلفة باختلاف الظروف والزمان وحاجة الناس.
وأضاف فضيلته: هذه سنة إلهية، فالله تعالى لم يصرّ على طريقة واحدة، ولم يضع طريقة واحدة لكل الظروف والأزمنة، بل كان دائمًا يراعي تيسير الأمور لعباده، فكل زمان وظرف له متطلباته الخاصة، ولهذا السبب، جاءت اختلافات في الأحكام في جميع الأديان السماوية بناءً على تغير الزمان والظروف والاحتياجات البشرية.
الأديان السماوية كانت “رحمة الرب” في زمانها
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: إن الله تعالى رحيم، والأديان السماوية السابقة كانت رحمة من الرب في زمانها. لقد جعل الله الدين سهلاً، والأحكام الإلهية تبني البشر وتُربّيهم، لكن الله تعالى لا يريد أن تكون هذه التربية قسرية وصعبة.
وأضاف قائلا: طريقة تربية البشر كانت مختلفة في الأديان السماوية؛ على سبيل المثال، في الدين الإسلامي، ورغم إلحاح أهل مكة، لم ينزل الله القرآن دفعة واحدة، بل نزل تدريجيًا على مدى ثلاث وعشرين سنة، وتم وضع الأحكام والفرائض وحتى المحرمات تدريجيًا حتى لا يُفرَض ضغط على الناس ويكون العمل بها سهلًا. في بداية الإسلام، عندما كان الناس قد أسلموا حديثًا وكانت ظروف المسلمين صعبة، كانت الصلاة ركعتين فقط، ثم أصبحت أربع ركعات، وبقيت صلاة السفر ركعتين. كما فُرض الصيام والزكاة والحج بعد سنوات من الهجرة.
القوانين يجب أن تتغير بناءً على الظروف ولصالح الناس والبلاد
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: تصبح قوانين الدنيا حكيمة وناجحة عندما تأخذ الظروف في الاعتبار وتتبع هذه السنة الإلهية. يجب أن تتغير القوانين الدنيوية لصالح الناس. القانون الذي دُوّن قبل خمسين عامًا لا يلبي ظروف اليوم، والكثير من بنود هذا القانون لم تنجح، مما أدخل البلاد في ورطة.
وأضاف: ظروف اليوم ليست كظروف الخمسين عامًا الماضية، والكثير من الأشخاص الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت قد رحلوا، وجاء جيل جديد بمتطلبات جديدة. عندما تكون الظروف والاحتياجات جديدة، يجب أن تتغير القوانين أيضًا لصالح الناس والبلاد؛ هذه حاجة وضرورة وتؤدي إلى رضا الشعب.
لا ينبغي لأحد أن يبقى في مسؤولية إلى الأبد
وأكد خطيب أهل السنة زاهدان على ضرورة “إشراك الجيل الشاب في إدارة شؤون البلاد” وقال: اليوم وقد جاء الجيل الجديد، يجب أن يتولى الشباب الذين يملكون القدرة والإمكانية الإدارية العمل. قانون التقاعد، وهو قانون عالمي، موجود لهذا السبب؛ فعند ما يتجاوز عمر الإنسان سنًا معينًا، يضعف، وتضعف قدرته الجسدية والعقلية. يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ بمعنى أن بصره وقدرته البدنية وقوته العقلية تضعف.
وأضاف: لا ينبغي لأحد أن يبقى في مسؤولية للأبد. عندما يبلغ أحدهم سن التقاعد يجب أن يفسح المجال لجيل شاب أو على الأقل من هم في منتصف العمر لتولي العمل. لقد أظهرت التجربة أن الإنسان الكبير في السن غير قابل للتغيير، أما الأشخاص الذين هم أصغر سنًا فهم قابلون للتغيير، ومن مصلحة البلاد أن يتولى زمام الأمور أشخاص لديهم مبادرة وابتكار.
يجب أن تكون هناك “حرية تعبير” عند إبداء الرأي في المسائل العقائدية والسياسية
في جزء آخر من كلمته، أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على “حرية التعبير” و”حرية إبداء الرأي”، وقال: قام شخص ما في مدينة “قم” أو في مكان آخر بإبداء رأي وتعرض لهجمات. إذا أبدى أحدهم رأيًا في الشؤون الدينية، فيجب أن يتمتّع بحرية العقيدة وحرية التعبير، وألا يتعرض للإهانة والهجوم. الرد على رأي مطروح ليس مشكلة، ولكن لا ينبغي أن يتضمن إهانة، وكذلك يجب أن تكون هناك حرية تعبير في إبداء الآراء السياسية. لا تعتبروا من يُبدي رأيه عدوًا؛ فالجميع مواطنون، والمواطنون الإيرانيون لهم الحق في إبداء الرأي.
وأضاف: تقوية الدين تكون في حرية العقيدة وإبداء الرأي. في السيرة الطيبة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت حرية الرأي، وكان الناس يتمتعون بالحرية، وكان هناك حديث ومشورة وحرية. حرية التعبير والقلم والفكر، وإقامة العدل، وتجنب الشدة والعنف، كلها في مصلحة الوطن والعالم وتؤدي إلى التقدم والرقي.
محبة السيدة فاطمة وأهل البيت من معتقدات أهل السنة
وتابع خطيب أهل السنة، قائلا: السيدة فاطمة والسيد علي رضي الله عنهما من الشخصيات المقبولة والمحترمة لدى جميع المسلمين. أهل بيت النبي الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم وتشرفوا بخدمته لهم درجات عالية جدًا، وجميع المسلمين يحترمونهم. أهل السنة بالإجماع يعتبرون أهل البيت من مقدساتهم، ويرون محبتهم جزءًا من معتقداتهم.
من يطرح نظرية وفاة السيدة فاطمة في المجتمع الشيعي لا ينبغي أن يتعرض للهجوم
وتابع فضيلته موضِّحًا عقيدةَ أهل السنّة بخصوص وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها، مشيرًا إلى أنّ عقيدة جمهور أهل السنّة هي أنّ السيدة فاطمة رضي الله عنها قد تُوفِّيت، وأنهم يرفضون واقعةَ «الاستشهاد» التي ينقلها البعض. وأضاف أنّ هذا الرأي كان موجودًا كذلك في المجتمع الشيعي في الماضي؛ إذ استُخدم تعبير «الوفاة» في كتب كبار علماء الشيعة، وكذلك في تقاويم البلاد. وبناءً عليه، فإذا طرح أحدٌ نظرية «الوفاة» داخل المجتمع الشيعي، فلا ينبغي أن يتعرّض للهجوم.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن السيدة فاطمة رضي الله عنها كانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان تراب قبر الرسول المبارك لا يزال حديث العهد، والزمن هو زمن صدر الإسلام وزمن الصحابة الذين دافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجاعة في مختلف المواقف. ففي مثل هذا الزمان والظروف، كيف يقبل العقل أن يقوم شخص ما بقتل ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام علي رضي الله عنه وبقية الصحابة والمسلمين دون أن يُشاهَد أي رد فعل!
وصرّح: إن نقل أي واقعة أو حدث يجب أن يُقاس بالعقل أيضًا، ولذلك، فإن وقوع مثل هذه الحادثة لا يتوافق مع العقل. ما أقوله هو عقيدة الغالبية العظمى من مسلمي العالم.
الإعدام في حكومة إسلامية يضر بالدين
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلًا: سبب معارضتنا لـ”الإعدام” هو أن هذه الإعدامات في حكومة تُقام باسم الدين تضر بالدين. فكل مشكلة أو نقص في حكومة إسلامية يُنسب إلى الدين ويضرّ به، كما أن كل خير وحُسن في هذه الحكومة يعود بالنفع على الدين. إن الدين والنبي هما رحمة الرب؛ وعلينا أيضًا أن نتصرف بطريقة لا تجعل الدين مصدر عناء للناس.
المسؤولون الحقيقيون لا يهربون من مسؤوليتهم، بل يديرون الأوضاع و يُغيّرون الظروف
في الجزء الأخير من كلمته، أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى المشكلات الاقتصادية والمعيشية للشعب، وقال: الظروف الاقتصادية للشعب حَرِجة للغاية. نشهد يوميًا ارتفاعًا في التضخم والأسعار. قال لي شخص: في وقت ما كان راتبي 10 ملايين تومان، وهو ما يعادل عشرة آلاف دولار، ولكن الآن، على الرغم من أنني أحصل على راتب أعلى، فإنه لا يصل إلى ألف دولار. اليوم، راتب 10 ملايين تومان لا يساوي حتى 100 دولار. إذا كان دخل شخص ما 50 مليون تومان، وهؤلاء الأشخاص قليلون، فإن دخله يعادل أربعمائة دولار. في ظل هذا الوضع، كيف يمكن لعامل أو معلم أو موظف أن يعيش؟ اليوم، 125 مليون تومان تعادل ألف دولار. المواطنون لا يملكون القدرة على شراء اللحم والاحتياجات الأساسية، وهناك ضغط على الشعب، يجب أن تفكروا في هؤلاء الشعب وكيفية معيشتهم.
وصرح فضيلته: يجب ألا يقول المسؤولون: إنه “لا يمكن فعل شيء من جانبنا”، عندما تكون مسؤولًا ولا يمكنك فعل شيء، فمن الأفضل أن تتنحى عن منصبك ليأتي آخرون يملكون القدرة لتولي المسؤولية.
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد مخاطبًا المسؤولين: لا يمكنكم التهرب من مسؤوليتكم والقول بأنه لا يمكن فعل شيء، بل يجب أن تكونوا مسؤولين عن تلبية احتياجات الشعب، لأن الله تعالى وكذلك القانون قد جعلاكم مسؤولين ومحاسبين. يجب عليكم إدارة الأوضاع وتغيير الظروف. البلاد تمرّ بظروف جديدة، ونحن نشهد جيلًا جديدًا باحتياجات جديدة. لذلك، يجب أن تتغير السياسات الداخلية والخارجية أيضًا بناءً على هذه الظروف والاحتياجات.

تعليقات