أكّد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة بمدينة زاهدان، في خطبة الجمعة بتاريخ 3 ربيع الثاني 1447، على أن الاعتذار الرسمي وإدانة المسؤولين لجريمة الجمعة الدامية في زاهدان، بعد مرور ثلاث سنوات، يُعدّ إنجازا كبيرًا، وأشار إلى أن ذكرى مظلومية شهداء الجمعة الدامية ستبقى خالدة، وأن المطالبة بالعدالة وإزالة التمييز لا تزال مستمرة.
نحيي ذكرى شهداء الجمعة الدامية
بدأ فضيلة الشيخ عبد الحميد خطبته بذكرى حادثة الجمعة الدامية في زاهدان، وتابع قائلا: في البداية لا بد أن نُحيي ذكرى دماء الشهداء الذين ارتقَوا في هذا المصلى وحوله (يوم 22 سبتمبر 2022) وقد استُشهدوا مظلومين. لقد جاؤوا لأداء الصلاة، وكانت سجادات الصلاة على أكتافهم.
وأضاف فضيلته: بعد استشهادهم المظلوم، أضيف ظلم آخر إليهم حين اتهموا بأنهم «انفصاليون» أو «أعضاء في جماعات مسلحة»، وبعض من تورّط في هذه الجريمة حاول إلصاق هذه التُّهم بهم لتبرئة نفسه.
وأشار فضيلته إلى أن الحقيقة قد اتضحت أخيرًا، وتابع قائلًا: الحمد لله، من هنا إلى طهران، باتت الحقيقة واضحة للجميع، حتى لأولئك الذين تلقّوا تقارير كاذبة، واتضح أن هؤلاء قد قُتلوا مظلومين، وأنهم تعرّضوا لتُهَمٍ ظالمة، ولقد كانت التهم وسيلة للهروب من المسؤولية، لكن الحمد لله، ظهر الحق، واعترف المسؤولون من أعلى المناصب إلى المستوى المحلي بأن ظلمًا قد وقع هنا.
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الجهود التي استمرت ثلاث سنوات لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة، وقال: حاول البعض حل هذه القضية وقدموا مقترحات، كدفع الدية لأسر الشهداء، لكن العائلات رفضت تمامًا هذا الحل، وقالوا: إنهم لن يرضوا إلا إذا تم القصاص من القتلة، مع صدور إدانة رسمية من المسؤولين.
وأضاف: تم تعيين محاميَين لأسر الشهداء، وقد دافعا عن حقوقهم ببراعة، وقالا إنه ينبغي محاكمة كل من تلطخت يداه بالدماء، بغضّ النظر عن منصبه أو مؤسسته.
وتابع قائلاً: ادعى بعض المتهمين في المحكمة أنهم أطلقوا النار في الهواء، في حين كنّا نعلم أن هذا غير صحيح، وأنهم أطلقوا النار على المواطنين مباشرة، واليوم هرب البعض خوفًا من العقاب، والذين تم اعتقالهم صدرت بحقهم أحكام بالسجن، وقد اعترض المحامون على هذه الأحكام، ونحن كذلك من هذا المنبر اعترضنا، ولا تزال القضية مفتوحة وقيد التحقيق.
وأوضح فضيلته تفاصيل الاعتذار الأخير من المسؤولين بما يلي: في البرنامج الأخير، الذي فُسِّر بطرق مختلفة من قبل الشعب، جاءوا للاعتذار، وكان من المفترض أن يتم الاعتذار في هذا المصلى، لكن البعض طلب أن يُقام في دائرة حكومية، فرفضنا. ثم أصرّوا على حضورنا، وأن يحضر معنا الشيوخ والعلماء.
وأضاف: قالوا: إن المصلى ليس محاطا بجدران، وأن الاجتماع سيُقام ليلًا، لذا من الأفضل عقده في المسجد لمنع استغلاله وللسيطرة على الوضع. وعندما قدّموا مبررات أمنية، اقتنعنا بعقد اللقاء في المسجد. فجاؤوا، وبعد ثلاث سنوات، أدان المسؤولون الجريمة واعتذروا رسميًّا، وفي إيران من النادر أن يعترف أحد بخطئه، لذلك نعتبر هذا الحدث مهمًّا وكبيرًا.
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: حضر محافظ سيستان وبلوشستان الذي بذل جهودًا كبيرة في هذا الصدد، مع وفد من المسؤولين المحليين إلى المسجد المكي، وقال – حسب التعبير البلوشي – إننا “جئنا إلى أهل القتيل”، وهو تعبير يدلّ على طلب الصفح، ومن عادات هذه المنطقة أن يعفُو الناس في مثل هذه الحالات، كما عفوا في جرائم وأحداث كبيرة من قبل.
التأكيد على العدل والعفو إلى جانب المطالبة بالعدالة
وأشاد فضيلة الشيخ عبد الحميد بالاعتذار الرسمي ودفع الدية، قائلًا: أنا أؤمن دائما بأن العفو أفضل من الانتقام، ومن خصائص الشعب البلوشي أيضا سَعة صدورهم وروح التسامح لديهم. وقد تم دفع الدية، كما مُنحت لذوي الشهداء قطعتان من العقار مساحتهما 200 متر مربع، وقطعة للجرحى، وقد طلب بعض العائلات عدم ذكر أسمائها في الملفات، وقد دُفن العديد من الشهداء في القرى دون الحصول على تصاريح رسمية.
وأضاف: لو كان المسؤولون قدّموا اعتذارًا لعائلات ضحايا الطائرة الأوكرانية، وكذلك في الأحداث الأخرى التي وقعت في البلاد، ولو أدانوا تلك الحوادث، لكانت أفضل وسيلة لتطييب خواطر الشعب، فكل من يرتكب جريمة يستحق اللوم، سواء كان موظفًا أو غير موظف، مسؤولا أو غير مسؤول، فالجميع متساوون أمام العدالة.
ضرورة إنهاء العنف وتعزيز الأمن
وأكد خطيب أهل السنّة في زاهدان قائلًا: من الأسباب التي دفعتنا إلى السعي لحلّ هذه القضية، الأثر السلبي العميق الذي تركته على المنطقة. فالكثير من الشباب تأثروا عاطفيًا، وراحوا ينصبون كمائن ضد رجال الأمن، مما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، وهم كانوا يقولون: “هذا ثأر لدماء الشهداء”.
وتابع: والآن بعد أن تم حلّ المسألة، من الفوائد التي نرجوها هو تعزيز الأمن في هذه المنطقة، وألّا يقوم أحد بإغلاق الطرق أو ارتكاب القتل باسم الشهداء. أما نحن، فسنُحيي ذكراهم ما دمنا أحياء.
وأضاف: مسألة أخرى هي أن سكان المنطقة من السنة والشيعة تربطهم جذور عائلية وقبائلية مشتركة، وبعض من ارتكبوا الجريمة في حادثة المصلى هم من أبناء بعض هذه العشائر. لذا سعينا إلى حلّ هذه المسألة لمنع استمرار آثارها السلبية مستقبلًا، حتى يعيش الناس بمحبة وسلام، ويُزال خطر الانتقام.
نطالب بالعدالة، والحرية، وإنهاء التمييز
وأكّد فضيلة الشيخ عبد الحميد، على تضامنه مع شعب غزة المظلوم، وأضاف: نحن نطالب بالعدالة، ونطالب في هذا البلد بالإنصاف والحرية. نريد إنهاء كافة أشكال التمييز، سواء بين النساء والرجال، أو بين القوميات والمذاهب، وعلى مستوى جميع أبناء الشعب الإيراني. نحن نطالب بالمساواة والأخوّة، ومن واجبنا ومسؤوليتنا أن ندافع عن حقوق الأمة بعدالة، ونُضحّي بمصالحنا لأجل مصلحة الشعب.
وأكّد أن المطالبة بالحقوق لا تتعلق فقط بشهداء “الجمعة الدامية”، فقال: لا يظن أحد أن هذا الحراك متعلّق فقط بهؤلاء الشهداء؛ نعم، أولئك الشهداء أعزّاء علينا، وستبقى ذكرى مظلوميتهم مسجلة في قلوبنا إلى الأبد، لكن هذه المطالبة بالحقوق مستمرة حتى يُقام العدل والمساواة في البلاد.
لا بد من إصلاح السياسات
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن قلقه إزاء أوضاع البلاد، وقال: بلدنا يواجه أزمات متعددة، وقد فقد الشعب الإيراني كل مقومات حياته. هذا الشعب ينام فوق مائدة من الثروات، فكيف وصل إلى هذه الحالة من المظلومية؟ الناس جائعون، يُعانون، ويعيشون في ضيق. لم تُقدّم لهم الرعاية التي يستحقونها. يجب على المسؤولين أن يجدوا حلًّا جذريًا، وأن تُنظّم السياسات بحكمة لتجاوز الأزمات بوعي ورؤية رشيدة.
لا بد من العدل حتى مع الأعداء
وختم فضيلة الشيخ خطبته مؤكدًا: نحن لا نُجحف في حق أحد، وإن كان عدونا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وديننا الإسلامي، لم يأذن بالظلم. لقد علّمنا الإسلام أن العداوة لا ينبغي أن تُبرّر الظلم. لا يجوز أن تؤدي العداوة إلى عدم الإنصاف.

تعليقات