فضيلة الشيخ عبد الحمید في خطبة الجمعة:

تفعيل آلية “سناب باك” وتصعيد العقوبات يجعل حياة الشعب أصعب؛ على المسؤولين أن يتصرفوا بصدق وبُعد نظر لإيجاد الحلول

تفعيل آلية “سناب باك” وتصعيد العقوبات يجعل حياة الشعب أصعب؛ على المسؤولين أن يتصرفوا بصدق وبُعد نظر لإيجاد الحلول

حذّر فضيلة الشيخ عبد الحمید، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (5 ربيع الأول 1447هـ)، من التداعيات الخطيرة لإعادة تفعيل آلية «سناب باك» وتصعيد العقوبات على إيران، مؤكّدًا أنّ مثل هذه الإجراءات تجعل حياة الشعب أكثر صعوبة وتضاعف الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
ودعا فضيلته المسؤولين إلى التعامل مع هذه التحديات بصدق وبُعد نظر، والعمل على إيجاد حلول عقلانية وعملية، محذّرًا من أنّ التقصير أو المكابرة في هذا الملف لن يدفع ثمنه إلا الشعب والبلاد بأسرها.

جميع المسؤولين سيُسألون يوم القيامة عن واجباتهم
تطرّق فضيلة الشيخ عبد الحمید، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، بعد تلاوة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، إلى أن المسؤولية مبدأ شامل لا يُعفى منه أحد، مهما كانت درجته أو موقعه، فالأنبياء عليهم السلام أنفسهم سيُسألون عن تبليغ الرسالة، كما سُئل عيسى عليه السلام: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟
وأوضح فضيلته أن كل فرد في المجتمع، من الجندي إلى القائد، ومن الموظف الصغير إلى من يقف على رأس الدولة، مسؤول أمام الله عن واجباته، ولن يتمكّن أحد من التنصل من هذا الحساب. واستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته…»، مؤكّدًا أنّ النبي بدأ بذكر “الإمام” لأنه أعلى من يتحمّل المسؤولية تجاه الناس.
وبيّن فضيلة الشيخ عبد الحمید أن من يقبل تولي المسؤولية لا بد أن يكون مستعدًا لتحمّل تبعاتها، فالعقل والشرع كلاهما يقرّران أنّ المسؤول يُحاسَب على ما يُنفَّذ بأمره. وأضاف: إنّ المسؤولية تجاه المجتمع عظيمة، فلو كان هناك إنسان جائع أو عطشان في المناطق الحدودية، أو حُرم من الماء والكهرباء، أو تعرّض للظلم، فإن جميع المسؤولين، من أصغر موظف إلى أعلى قيادة في الدولة، مسؤولون أمام الله يوم القيامة عن التقصير في حقه، لأن القانون الإلهي واضح: من لم يقم بواجبه في خدمة الناس سيُسأل عنه يوم الحساب.

أعلى مسؤولية للحكومات هي حلّ مشكلات الشعب
وتحدّث فضيلة الشيخ عبد الحمید، حول التطورات الدولية الأخيرة، مشيرًا إلى ما تردّد في الأخبار عن احتمال تفعيل آلية «سناب باك» إذا لم تُحرز المفاوضات تقدّمًا خلال شهر. واعتبر فضيلته أن هذا الأمر يبعث على القلق الشديد، خصوصًا في ظل الأزمات الداخلية المتمثلة في نقص المياه والكهرباء، واحتمال قطع الدعم القليل الذي يحصل عليه بعض الفقراء رغم قلّته، إلى جانب العجز الكبير الذي تواجهه الحكومة في الميزانية. وأضاف أن تفعيل هذه الآلية سيضاعف من صعوبة الأوضاع المعيشية للشعب.
وأكّد فضيلته: نتوقع من المسؤولين أن يفكروا بجدية، ويولوا اهتمامًا حقيقيًا بالشعب، لأننا جميعًا مسؤولون عن معاناته. صحيح أنّ الأوضاع صعبة على الجميع، لكن المتضرر الأكبر هم ذوو الدخل المحدود، ومعاناة هؤلاء ستزداد إذا لم تُوجد حلول.
كما شدّد على أن أسمى واجب لأي حكومة في العالم هو خدمة المواطنين وحلّ مشكلاتهم، محذرًا بعض السياسيين من الانشغال بشعاراتهم وهتافاتهم الخاصة على حساب هموم الناس. وختم فضيلته قائلا: على المسؤولين أن ينظروا بُعد نظر، وأن يدركوا إلى أين يمكن أن تصل مشكلات البلاد إذا اندلعت حرب جديدة أو فُعّلت آلية الزناد. الطريق الصحيح هو البحث عن حلول عملية تخدم الشعب وتخفف من معاناته.

أنا ضد الشعارات الفارغة.. الصدق هو أفضل سياسة
وأكّد خطيب أهل السنة رفضه إطلاق الشعارات الفارغة، قائلا: أعارض إطلاق الشعارات، خصوصًا تلك التي لا معنى لها. يجب أن نواجه الحقائق بصدق وواقعية، وأفضل سياسة هي أن نكون صادقين في خطابنا مع الناس والعالم. وإذا لم يكن الآخرون صادقين معنا، فعلينا أن نثبت أننا نتمسّك بالصدق والشفافية.
وأضاف فضيلته أن الأولوية يجب أن تكون خدمة مصالح الوطن والشعب، حتى لا يتعرضا لمزيد من الأضرار، مشيرًا إلى أن معاناة الناس لا يجوز تجاهلها. وقال: من المهم جدًا أن نرى ما يمرّ به الناس، ففي بعض المناطق تُقطع الكهرباء ست ساعات يوميًا، ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 50 درجة مئوية، كيف يمكن للناس أن يتحمّلوا ذلك وهم لا يستطيعون الجلوس في بيوتهم ولا الخروج منها؟ نأمل أن تُحل هذه المشكلات في أسرع وقت.

أوصي بـ«حوار صادق» لتجنّب العقوبات والحرب
ودعا فضيلة الشيخ عبد الحميد كلا الطرفين؛ إيران من جهة، والأوروبيين والأمريكيين من جهة أخرى، إلى الدخول في حوار صادق وبنّاء يجنّب البلاد العقوبات والحصار الاقتصادي، ويمنع نشوب حرب جديدة.
وأكد فضيلته أن العقوبات والحروب ليست في مصلحة أي طرف، مشددًا على أن الأزمات السياسية ينبغي أن تُعالج بعقلانية، وبنظرة شاملة تراعي مصالح الشعب، وأضاف: المشكلات لا تُحل إلا بالحوار وبُعد النظر، بعيدًا عن التشنج والشعارات.

يجب حفظ استقلال المدارس الدينية والمساجد
وشدد فضيلة الشيخ عبد الحميد، على ضرورة الحفاظ على استقلال المدارس الدينية والمساجد، مؤكدًا أن مدارس أهل السنة تُدار منذ تأسيسها عبر المساعدات الشعبية، بعيدًا عن الدعم الحكومي، وقال: نحن سعداء لأننا لم نقبل المساعدات الحكومية في تعليم الدين، ويجب أن تبقى المدارس والمساجد مستقلة وتُدار من قبل الشعب.
وأضاف فضيلته أن واجب العلماء هو بيان الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مسؤولية ثابتة لا تزول عنهم، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الشعب والتمسك بالاستقلالية هو الطريق الأمثل، فـ«الحكومات تأتي وتذهب، لكن المدارس الدينية يجب أن تبقى قائمة لخدمة المجتمع والدين».
كما أكد أن تخصيص الميزانيات الحكومية للمراكز الدينية ليس أمرًا صحيحًا، موضحًا: البلاد اليوم تواجه أزمات اقتصادية، والمسؤولون يحاولون إلغاء هذه الميزانيات، لكن المشكلة أن الاعتماد عليها صار أشبه بالطفل الذي اعتاد على اللبن، فصار فطامه صعبًا.

الحفاظ على أمن المحافظة مطلب الجميع
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الأحداث الأخيرة في محافظة سيستان وبلوشستان، مؤكدًا أن الحفاظ على الأمن مسؤولية عامة ومطلب للجميع.
وقال فضيلته: حدثت مؤخرًا بعض الحوادث الأمنية على الطرق، ونحن نؤكد دائمًا أن الأمن يجب أن يُحفظ في الطرق والمدن والقرى وفي عموم المحافظة. لا ينبغي إغلاق الطرق أو جعلها غير آمنة.
وأضاف أن على رؤساء القبائل والمثقفين والعلماء أن يسهموا في تعزيز الأمن، موضحًا أن جميع مجالات الحياة من تجارة وتعليم ودين ومعيشة لا يمكن أن تستمر إلا في أجواء آمنة.

لا فرق بين الأعراق والطوائف في المحافظة ويجب احترام حقوق الجميع
وشدد فضيلة الشيخ عبد الحميد، على مبدأ المساواة بين جميع مكونات المجتمع في محافظة سيستان وبلوشستان، مؤكدًا أن لا فرق بين بلوش، وسيستاني، وبيرجندي، أو بين شيعة وسنة، بل حتى غير المسلمين الذين يعيشون في المحافظة يجب أن يتمتعوا بحقوقهم كاملة دون أي أذى أو تمييز.
وقال فضيلته: كل شخص، مهما كان دينه أو مذهبه، يجب أن يُصان ماله وكرامته وحياته، ولا يجوز انتهاك حقوقه الإنسانية والمدنية. لقد عاش أبناء هذه المحافظة من مختلف القوميات معًا لقرون، ولهم تاريخ مشترك وروابط قوية.
واعتبر فضيلة الشيخ عبد الحميد أن التمييز في التوظيف والمناصب من الأخطاء الكبرى في الماضي، موضحًا: لقد حُرم بعض أبناء المجتمع من حق التوظيف، واقتصر التعيين على فئة واحدة، مع أنني أوصيت مرارًا بألا يُفرق بين القوميات، وأن يكونوا جميعًا جنبًا إلى جنب، لأن أي حادث أمني على الطرق أو الحدود يصيب الجميع.
وانتقد فضيلته ما يُنشر في بعض وسائل التواصل الاجتماعي من تصوير غير عادل يوحي بأن قومية بعينها فقط تُقدَّم تضحيات في الدفاع عن الحدود، مشيرًا إلى أن هذا الظن غير صحيح، ولو تم توظيف جميع القوميات بشكل عادل لشارك الجميع في الدفاع.
وختم بالقول: نحن لا نفرق بين أبناء الشعب، وكل دم يُسفك في هذه المحافظة يوجعنا. من يثير قضايا التمييز عليه أن يسأل المسؤولين الكبار: لماذا يفرقون بين أبناء الشعب؟

سياسة التمييز مستمرة في البلاد بشدة رغم الشعارات
وانتقد فضيلة الشيخ عبد الحميد استمرار ما وصفه بـ “سياسة التمييز في التعيينات والمناصب داخل البلاد”، مؤكّدًا أن الحكومة الحالية، برئاسة السيد مسعود پزشكيان، رغم رفعها شعار المساواة وعدم التمييز، لم تعيّن حتى الآن محافظًا سنيًا واحدًا في بعض المدن والمناطق ذات الأغلبية السنية.
وقال فضيلته: في الكثير من مدن خراسان وبعض المناطق الأخرى التي غالب سكانها من أهل السنة، لم يُعيَّن محافظ سني واحد. لدينا شخصيات متعلمة وأكاديميون، ولكن السؤال: كم من الأكاديميين السنّة تم تعيينهم رؤساء للجامعات؟ للأسف، سياسة التمييز مستمرة بشدة في البلاد، وفي الجمهورية الإسلامية بدلًا من الكفاءة والمساواة تسود المحسوبية والتمييز.
وأشار الشيخ عبد الحميد إلى أن معيار التعيين يجب أن يكون الكفاءة والأهلية بغضّ النظر عن الانتماء المذهبي أو العرقي، مضيفًا: ينبغي أن يتولى المناصب أصحاب الكفاءة من الشيعة والسنة، لا الضعفاء أو التابعون للجهات. لا يصح أن يكون هناك تمييز حتى بين الشيعة أنفسهم. على الدولة أن تفوض الأعمال إلى الأكفاء من جميع المذاهب والقوميات، حتى تحظى السلطة بسمعة طيبة ويشعر الشعب بالرضا.

على الجميع القيام بمسؤولياتهم تجاه الأمن والابتزاز والاختطاف
وفي ختام خطبة الجمعة في زاهدان، حذّر فضيلة الشيخ عبد الحميد من تزايد حالات انعدام الأمن الاجتماعي، والاختطاف، والابتزاز، مشيرًا إلى أن هذه الظواهر تتفاقم يومًا بعد يوم. وقال: نصيحتي أن يقوم الجميع بمسؤولياتهم تجاه هذه الأمور، ولا يتجاهل أحد الحفاظ على الأمن. يجب على الشيوخ من جميع القوميات، والعلماء، والأكاديميين، والمثقفين العمل بشكل جاد للحفاظ على أمن المجتمع، حتى لا نشهد مزيدًا من القتل والاختطاف.
وأكد فضيلته على احترام الشيوخ والتعاليم الدينية، مضيفًا: إذا حصل نزاع أو خلاف، يجب ألا يُهان الشيوخ والعلماء. هذه تقاليدنا في المنطقة؛ عندما يختلف مجموعتان، يحترم الشيوخ والعلماء والنساء. للأسف، مؤخرًا قُتل بعض الشيوخ أو اُختطفوا في النزاعات القبلية.
وأشار الشيخ عبد الحميد إلى أن هذا واجب ديني وأخلاقي، مستشهداً بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم: رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتكريم الكبار ووضع كل شخص في مكانته، وقد روِي أنه أكرم رجلاً وقال إنه ذو مكانة بين قومه. يجب على الناس في كل الظروف احترام النساء والشيوخ والعلماء والمثقفين.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات