كيف تغتنم الشهر الكريم؟

كيف تغتنم الشهر الكريم؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
شهر الله!
رمضان نعمة من الله عظيمة، إنما يقدره حقَّ القدر من سما بروحه عن كثافة المادة إلی عالم القرب والرضی، وطفق يلمس ما يحدث فيه من تهطال سحائب الرحمة والغفران، وهبوب رياح المن والإحسان، وتوالی أنوار تملأ الأكوان. لذا كان النّبيّ صلى الله علیه وسلم بعد ما استهلّ رجب يكثر أن يدعو: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان.

وإنما كان يتربّص إلی هذا الشّهر الكريم بغاية شوقٍ ولهفةٍ لما أنّه كان على أتمِّ المعرفة بقدره وأنّه شهر الله. أمّا نحن الّذين لا تعدُو أبصارُنا الظّاهرَ فلا نعرف منه سوى أنّه شهرُ صيامٍ وقيامٍ، ولكنّ الحقيقةَ أعظمُ من ذلك، فإنّه شهر الله، أَكْرَمَ اللهُ به عبادَه ليغتنموه كوسيلةٍ للتزلُّف إلیه والتحرُّر من المادّة ومتاعب الشُّئوون الدُّنيويّة الّتي شغلتهم ليل نهار فأَلْهتْهُم عن الرّوح ومقتضياتها والآخرة وواجباتها طيلة أحد عشر شهراً تماماً.
لماذا خلق الإنسان؟
الآية الكريمة : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تنبئ بصراحة عن الغرض الّذي خُلق لأجله الإنسانُ، وهي عبادة الرّبّ الّذي خلقه.كما أنّ الملائكة أيضاً يعبدونه، إلّا أنّ عبادتَهم جبريّةٌ جُبلت علیها نفوسُهم ورُفع عنها خميرُهم، فليس فيهم إلا مادّتهُا دون ما يضادُّها أو يُخلّ بها. أمّا الإنسانُ ففطرته مركّبة. كُلِّف بالعبادة رغم العوائق دونه ودونها من الأهواء والعواطف والبواعث على المعاصى والحوائج اللّازمة الّتى لا بُدّ من قضائها للعيش على البسيطة حيّاً. ففضلُه إذن في العبادة أكثرُ من غيره حتّی الملائكة.

قسما العبادة:
ولكن هنا لا بُدّ من التّنبيه على أمرٍ هامٍّ ربما تنشأ أخطاءٌ جُمّةٌ من سوء تفهُّمه، وهو أنّ العبادة على نوعين:
(۱)عبادةٌ لعينها وبلا واسطةٍ: وهي التي وُضعت عبادةً لذاتها محضةً، بحيث لا يكون من القيام بها أيُّ غرضٍ سوى التّعبُّدِ والتّذلُّلِ إلی الله سبحانه وتعالىٰ، كالصّلاة والصّوم والحجّ.
(۲)عبادةٌ لغيرها: وهي الّتى لم يكن جانبُ التّعبُّد من غرضها الأصليّ المقصود منها، بل فاعلُها قام بها لقضاء حاجة أو رغبةٍ دنيويّتين، ولكنّه راعَى فيه حدودَ الشّرع، واتّبع فيها سُنّةَ الرّسول صلي الله علیه وسلم، ونوى بها إرضاء الرّب سبحانه وتعالى، فهذا يُعتبر في حقّه عبادةً يأجره الله علیها؛ ككسب الحلال مثلاً، فإنّ الإنسانَ إنّما يكسِب ليَقضِيَ به حوائجَ نفسه وعياله، ولكنّه لو قام به بنيّة أداء حقوق النّفس والعيال المفروضة علیه شرعاً فهذه النيةُ تحوّله إلی عبادة يُؤجَر علیها.
والنّوع الأوّل أفضلُ وأعلَى، وهو المعْنِيّ بالآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ولم يسمح الشرع بتركه في حالٍ ما، كما أنّه يُقدَّم عند التّعارُض بين النّوعين، مثلاً: طبيبٌ يشتغل بخدمة الخلق عن طريق معالجتهم، فلا يجوز له أن يترك الصّلاةَ تبريراً بكونه مشغولاً بخدمة الخلق الّتی تُعَدُّ ذاتَ أهمّیّةٍ بالغةٍ شرعاً، لأنّ الصّلاةَ عبادةٌ لعينِها فلا يجوز تركُها ولا تأخيرُها لِمَا اعتُبر عبادةً لغيرها.

الإنسان بين العبادة والدنيا:
وفذلكة الكلام أنّ الله إنّما خلق الإنسانَ ليَبْتَلِيَه هل هو يؤدِّي في زحمة الأشغال والأهواء والعواطف واجبَ العبادة أم لا؟ ثمّ حيث إنّنا إنّما خُلقنا للعبادة أوّلاً بجانب أنّ الله قد اشتری منّا أنفُسَنا بجنّة عرضُها السّماواتُ والأرضُ، لذا لوكان قد كُلّفنا باستيعابِ جميعِ لحظات العمر بالعبادة لم يكن ظُلماً ولا عُدواناً، ولكنّه رَحِمَنا فسمح لنا أن نتّخذ العبادةَ ومكاسبَ الدّنيا كلتيهما جنباً إلی جنبٍ، حيث أجاز لنا أن نتّجر ونزرع. ولكنّ الإنسانَ حينما خرج يكتسب، واتّخذ هذه الأشياءَ حِرَفاً نسي أنّ له ربّاً خلقه لغرضٍ آخر، ومالِكاً قد اشتری منه نفسَه بثمنٍ أغلَی كالجنّة، له علیه عهودٌ ومواثيقُ وواجباتٌ لا بُدّ له من القيام بها! فغلبت دنياه عبادتَه وباتت تشغل معظمَ بل ربما جميعَ الحياة الّتى إنّما منحها للعبادة.

رمضانُ فرصةُ التّقرُّب:
ثمّ من طبيعة العبادة أنّها تزلف المرءَ إلی الخالق وتجعل صِلَتَه به وطيدةً أكيدةً، كما أنّ الأشغالَ الدُّنيويّةَ ولو لم تَعْدُ حدودَ الشّرع تُبعِده عن الجانب الرُّوحيّ وتكاد تُوقِعه في المعاصِي. فانطلاقاً من هذا لما ركز الإنسانُ نظرَه وصرف عنايتَه إلی الدُّنيا طيلةَ أحدَ عشرَ شهراً غلبتْه المادّةُ وضَعُفَتْ صلتُه بالخالق، أراد اللهُ بمنّه وكرمه أن يُدنِيَه منه، فأنزل رمضانَ وجعله شهرَ الله، شهرَ العبادة والقُربة، ليعود الإنسانُ إلی خالقه ويكون صلتُه به من جديدٍ، وليصقل قلبَه من الصّدأ الّذي غَشِيَه ولِيَنْتَبِهَ من الرّقدة الرّوحيّة الّتي مازالت تُصاحبه خلال أحدَ عشرَ شهراً. وجعل الصّوم بجانب غيره من العبادات أعظمَ وسيلةٍ لتحقيق هذه الأهداف.
وشرع بالآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
فعَلِمْنا في ضوء الآية أنّ الغرضَ من الصّيام أن نُحدِث التّقوی ونُقَوّيَ مادّتهَا الّتي ضعّفتْها الجهودُ المبذولةُ وراء الدُّنيا في غير رمضان، وإنّما يتسنّی تحقيق هذا الهدفِ المنشود المذكور أعلاه باستغلال جميع لحظات الشّهر بالطّاعة والعبادة.

كيف تستقبل الزّائرَ الكريم؟
وكان والدِى رحمه الله يقول: أفضل طريق لاستقبال الشهر الكريم أن تسرّح قبل قدومه النّظرَ على روتينياتِك وأعمالِك، فما أمكن منها تركُه أوتأخيرُه إلی ما بعد رمضان فافعل حتّی تَقْضِيَ وقته في العبادة.
لذا فمن استطاع أن يحصل على الإجازات السّنويّة في رمضان فليفعل، ومن لا فعلیه أن يرتّب ساعاتِه وينظّم أوقاتَه تنظيماً يخصّص منها فُرصةً مديدةً للنّوع الأول من العباداتِ العبادات لذاتها؛ فإن لها شأناً كبيراً ومكانةً رفيعةً، يمكننا أن نقدرها من خلال أنّ الله أمر النّبيّ صلّى الله علیه وسلّم – بالرغم من أنّ حياتَه كلَّها كانت عبادةً ودعوةً وجهاداً، وتزكيةً وتوعيةً وما إلی ذلك – أن يُتعِب فيها نفسَه، حيث قال عزّ من قائل:
﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7]
فلم يدع للشّيطان مجالاً ليغُرّ أحداً ويردعه من هذه العبادة بتبرير شغله بدراسات علميّة، أو خدمة الخلق أو أشغال دينيّة أُخرَی ممّا يُمكِن عدُّها من النّوع الثّاني من العبادات. فمن تكن حياتُه كحياة النّبيّ صلی الله علیه وسلم طاعةً وعبادةً وكفاحاً؟!
ولتحقيق الهدف المنشود من رمضانَ ينبغِى لنا القيامُ بالأمور التّالیة:

الإكثار من الصلوات:
فإنّ الصلاة معراجُ المؤمنين، أتحفهم الله بها ليلةَ الإسراء، وكفی لها شرفاً أن جُعلت فيها قُرّةُ عين المصطفی صلّى الله علیه وسلّم، والسّجدة التي هي معظم الصلاة وأعظم أجزائها تتيح للمرء فرصة ليقوم في أقرب مقام من الخالق سبحانه وتعالى. فهي إذن أقرب سبب مُوصِل إلیه سبحانه وتعالى؛ ومن هذا رتّب القرب على السجدة قائلا: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]
وكمحاولة لتقريب العبد إلی الله، وتنحية البُعد النّاشئ بينهما والمستمرّ طِيلة أحد عشر شهراً شُرِعت صلاةُ التّراويح الّتي تُتِيحُ العبدَ أربعين فُرصةً سعيدةً ليقوم أقربَ مقامٍ من خالقه سبحانه وتعالى، ومن العَجَب إذا كان الله يُريد يمنحنا أربعين مقاماً للقرب فنرفضها ونقول: تكفينا ثمانيةٌ، ولاحاجةَ لنا في المزيد!

الإكثار من التّلاوة:
بجانب الصّيام والقيام ينبغي لنا أن نُولِيَ القرآن الكريم عنايةً خاصّةً، كيف لا وللقرآن صِلَةٌ بهذا الشّهر الكريم، حيث أنزل فيه، (وكان جبرئيل يَلقَی النّبيَّ صلّی الله علیه وسلّم كُلَّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن) واقتفاءً به كان السّلف يهتمّون فيه بتلاوة القرآن الكريم أكثرَ من أيّ شهرٍ آخرَ، فيُروَی عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنّه كان يختِم القرآن كُلَّ يوم من رمضان مرّتين، مرة نهارا وأخری ليلاً، هذا ومرّة في التّراويح فكانت له إحدی وستّون ختمةً.

الإكثار من الصلوات النافلة:
رمضان يسهل لنا القيام بعديد من النّوافل الّتي لا نقوم بها عادة، فمثلا في آخر الليل ننتبه للسحور، فيمكننا تأدية صلاة التّهجُّد براحة إذا انتبهنا باكرا، لذا فينبغي لنا أن ننتهب بَرَكاتِ رمضان من خلال العناية بها وبغيرها من النّوافل كالضُّحی والأوّابين مثلاً.

الإكثار من الصدقات النافلة:
كذلك علینا أن نَعتنيَ بجانبِ الزكاة بالإكثار من الصّدقات النّافلة، فإنّ رمضان شهرُ جُودٍ وسخاءٍ ومواساةٍ، وكان النبيّ صلّی الله علیه وسلم أجودَ ما يكون في رمضان، كان أجود من الرّيح المرسلة ، يُعطِي سائلاً ويَمنحُ فقيراً. لايخيب من سأله ولايفشل من استجداه.

الإكثار من الذكر:
كما ينبغي لنا أن نستوعب جميع لحظات هذا الشّهر الكريم بذكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا، وماشين في حاجةٍ، أومشتغلين في أمرٍ، وكلَّ حين ينبغي أن تكون ألسنتا رطبة بذكر الله من بين التّسبيح والتّحميد والحوقلة والاستغفار والصّلاة على النّبيّ صلّى الله علیه وسلّم.

الإكثار من الدعاء:
رمضانُ شهرُ خيرٍ وبركةٍ، تهبّ فيها رياحُ القبول والإجابة، وتدرّ سحائب الرّحمة والغُفران، والملِك الصَّمَدُ يُنادِى: هل من مُستغفرٍ فأغفر له؟ هل من سائلٍ فأعطيه؟ ولكن العبد المفتقر ما زال ناعسا في غفلةٍ ورقدة !!! فاسألوا اللهَ مولاكم ليل نهار وصباح مساء، يفض علیكم جُوداً وكرماً، ويغفر لكم ذنوبكم، ويقض حاجاتِكم- وما أكثر ما تحتاجون- ويؤتكم سُؤْلَكم، ولا غرو فكيف يخيب من لبّی نداء الملك، فسأله ودعاه! وكان مُرشدي الشّيخ العارفي رحمه الله معنیّاً بها للغاية، فبعد العصر كان يمكث في المسجد، يتلو ويسبّح قليلاً، ثمّ لا يزال يدعو ويسأل اللهَ حتّی مغيب الشمس ومحين الإفطار. فهلمّوا نُقبِل على الدّعاء والسّؤال، ندعو الله لأنفسنا وأقربائنا، وأمتنا وبلادنا.

رمضانُ شهرُ التّقوی:
لنجعلْ صيامَنا وقيامَنا مسدّاً لأنفسنا دون المعاصي، فحذار حذار من استخدام النّظر فيما لا يرضاه اللهُ ورسولُه، وإطالةِ اللّسان في الكذب والغِيبةِ وما لا يعنِى أو يتسبّب فی إذایة الآخرين. فيا للعجب أمسكنا أنفُسَنا عن الطّيّبات ثمّ أطلقنا لها سراحَها تسرح في المعاصي كلّ مسرح، وأرسلنا للسان عنانَه يذهب في الكلام كلَّ مذهب حتّی الغِيبة الّتى اعتبرها القرآنُ أَكْلَ لحمِ أخٍ ميّتٍ! فحذار فحذار من مُوبِقات اللّسان والفُضول من القول والفعل والصُّحبة.
وليلاحظ أنّ الاجتناب عن المعاصي أهمُّ وأقدمُ من هذه المندوبات بكثيرٍ، فمن صان نفسَه عن المعصية، وحَفِظَ لسانَه عن اللّفتة، وعينَه عن الخيانة فلا يضيره أنّه لم يُصلِّ نافلةً ولا تصدّق بروبيّةٍ ولا تلا آيةً، أمّا من صام ثمّ ارتكب هذه الكبائرَ فليس له من صيامه إلّا الجوعُ والعطشُ، كما ورد في الحديث: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلّا الجوع” أي لا تناله بركات ذاك الصوم وحسناته، ولو كان يُعتبر به شرعاً إلی حدّ فراغ الذّمّة عن الواجب.

رمضانُ دورةٌ تربويّةٌ للحصول على التّقوَی:
وحسب الآية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] فالنّتيجة المرتّبة على الصّيام هي التّقوَی، فعلّله البعض بأنّ الجُوع والعطش يكسران القُوى الحيوانيّة والبهيميّة المودعة في الإنسان، ولكنّ الشّيخ التهانويَّ رحمه الله قال: إن الصيامَ نفسَه تقوی، لأنّ مغزی التّقوَی أن يمتنع المرءُ عن المعصية خشيةً لله واستحضاراً لعظمته، والصّائم يروض نفسه على ذلك، حيث إنّه يمتنع عن الشّراب والطّعام رغم القدرة علیهما لمجرد أنّ الله يراه! ثمّ العبدُ لما أخلصَ امتناعَه عن المفطّرات لله، فالله تكفّل بجزيل أجره وفوّض أمر صیامه إلی نفسه قائلاً: “الصوم لي وأنا أجزي به”.
فحسب المطّرد أنّ الدّواء بل وكلُّ شئ إنّما ينفع إذاكان معه احتماءٌ ووقايةٌ عمّا يخالفه ويضادّه، فكذلك الصّيام إنّما يُجدِي ويُوصِل إلی التّقوَی إذا كان معه احتماءٌ عن المعاصي وعن كلّ ما يضادُّه. لذا فالصّيام دورةٌ تدريبيّةٌ على التّقوَی استمراراً إلی ما بعد رمضان. والنّجاح في هذه الدّورة التّدريبيّة إنّما يتم إذا دام المرءُ على التّقوَی واستمرّ. فلو بعد رمضان اسْتَهْوَتْك نفسُك إلی المعصية فعليك أن تُلاحِظ وتُراقِب وتتفكّر أنّ الله الّذي لأجله امتنعتُ عن الشَّراب والطّعام في رمضان يَراكَ!

الحكمة وراء تشريع الصوم:
الأصل فيه أنّ المقصود منه امتثال واتّباع أمر الله، الّذي علیه مدارُ الدّين، وتدور حوله رحاه، فمتی أُمرنا بالأكل أَكلنَا، ومتی أُمرنا بالإمساك أَمسكْنا، ولو كان مما يدهش العقل ويحيره. فانظروا! أُمرنا بالإمساك طيلة النّهار، ثمّ بعد مغيب الشّمس أُمرنا بتعجيل الإفطار ما أمكن بعد تحقّق دخول اللّيل، فلو تناول أحدٌ قبل المغيب بدقيقةٍ حبّةً من حِمّصة لزمته كفّارة صيام شهرين متتابعين، أمّا بعد مرور تلك الدّقيقة وتحقُّق غروب الشّمس فالله نفسُه يأمرنا بالأكل، بل ويَحُضُّنا على التّعجيل فيه. كذلك شأن السُّحور استحبّ التّأخير فيه لتحقُّق معنی امتداد الإباحة إلی آخر اللّيل، وكان ذاك دأبَ الصّحابة، يتسحّرون قبل طلوع الفجر بقدر خمسين آيةً فقط. والغرض من ذلك اتّباع حكم الله، فهو أباح لنا الأكلَ إلی الفجر، فمن أمسك قبله كما هو دأبُ البعضِ الیومَ يتسحّرون منتصفَ اللّيل فكأنّه أحدث في الدّين وزاد في الصّوم.

وأخيرا ثلاثة أمور:
في الأخير أوجّهكم إلی ثلاثة أمور هامّة، لا بدّ أن نعتنيَ بها في رمضان امتداداً منه إلی ما بعده:
(الأول) وداعاً للمعاصي صغيرِها وكبيرِها، جِلّها وحقيرِها هذا الشّهرَ تماماً، فإنّ المعصية تحرمك بركاتِه، وثوابَ صيامِه وقيامِه. فلينظر كلٌّ في تلبابه وليتفكّر أيّةَ معصيةٍ هو يقترفُها؟ ثمّ لِيعاهِدِ اللهَ أنّه يُغادِرُها ويبتعدُ عنها هذا الشّهرَ تماماً. وبما أنّ النّفسَ الّتي رضعت بتعاطيها قلّما يسهُل فطامُها، لذا فعلى صاحبها حسب ما قال الشّيخُ العارفيُّ رحمه الله أن يتخلّص عن المعاصي تعلیلاً للنّفس بتأجيلها وإنظارها إلی ما بعد رمضان، ثمّ عسی اللهُ ببركة الاجتناب في الشهر المبارك يثبّته علیه بعد رمضان أيضاً.
(الثاني) التحرّي للمأكل الحلال:
فإنّ للأكل من الكسب الحلال دخلاً كبيراً وأثراً بارزاً في قبوليّة الأعمال ورفع منزلتها عند الله، وهذا ليس مما يُستحال أويتعذّر، بل الأمر سهلٌ، فإنّ الّذين يتعاطَون الحرامَ منهم مَن أصلُ كسبِهم ومهنتهم حلالٌ، إلّا أنّه يشوبه بعضُ الحرام من الرّشوة وغيرِها، فالأمر لهم هيّنٌ يحتاج إلی عنايةٍ قليلةٍ. أمّا من كان أصلُ كسبه من الحرام مثل أن يكون موظَّفًا في مؤسّسةٍ ربويّةٍ فلقّنه مرشدي طريقاً يُخلصه من الحرام هذا الشّهرَ، وهو أن يُحاوِل أوّلاً الحصولَ على الإجازة لهذا الشّهر، ثم يشتغل بالكسب الحلال، فلولم يُمكِنه يستقرض لمصارفه مبلغاً يُنفقه علیه وعلى عياله هذا الشّهر، وهكذا يتمّ أكلُه من الحلال.
(ثالثا) حذار من الغضب وما يعقبه من الجدال والضّراب والتّسابب في شهر الخير والمؤاساة والبركة، وفي الحديث : “وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل إني صائم”.
وأخيرا نسأل الله تعالى أن يوفّقنا للعمل بهذه الأمور حتّى نستغلّ لحظات الشهر الكريم ونتمتع ببركاته وأنواره كثيرا وكثيرا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*************************************************
{ملخص محاضرتين للعلامة المفتي محمد تقي العثماني
تعريب كليم الله بشيني}
المصدر: مجلة الصحوة الإسلامية، شعبان – رمضان ١٤٣٧

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات