اليوم :17 April 2024

“التطرّف المادّي”

“التطرّف المادّي”

اهتمّ المجتمع الدولي ووسائل الإعلام التابع له بالتطرّف الديني في هذا العصر اهتماما كبيرا، وأخطأوا حينما تفقّدوا علل هذا التطرّف في دين الإسلام، وأجرموا عندما وجّهوا أصابع الاتهام نحو المسلمين الذين هم الجانب الأضعف في المناسبات الدولية.

أكثرت وسائل الإعلام من الحديث عن التطرّف الديني، بحيث أصبحت القنوات والإذاعات والجرائد والمجلاّت ووسائل التواصل الاجتماعي تجترّ صباحا ومساء عن التطرف والمتطرفين.
إعلامهم يحّدث لنا عن التطرف الديني، وكأنّه لا يوجد في عالمنا المعاصر تطرّف مادّي! وإنّ المجتمع الدولي شمّر عن ساق الجدّ لمكافحة التطرف الديني، وكأنّ التطرّف المادّي ليس خطرا، وليس جريمة على الإنسانية! وإنّ العالم يحكي لنا عن التطرف الديني وكأن التطرف المادّي بلا أضرار وبلا جرائم وبلا مفاسد!
نهضوا قيام رجل واحد في الحرب ضد ما يسميه التطرف الديني، وكأنّ التطرف المادّي مطلوب مفيد عندهم، حيث جعلوه غاية في حياتهم! فهل المجتمع الدولي الذي تحرّك ضد بضعة متطرفين دينيين عجز من أن يتحرّك لإطعام مليار جائع في العالم المعاصر!
إنّ دول العولمة التي تحتشد شرقا وغربا لمُطاردة بضعة جهاديين أو إرهابيين كما يسمّيهم، فهل عجزت عن التعرّف على جياع العالم وإطعام من يموتون يوميّا من الجوع والمجاعة في أنحاء العالم حسب تقريرات منظّماتهم الغذائية والحقوقية؟
إنّ المجتمع الدولي ووسائل الإعلام التابعة لها، والتي أكثرت من الضجيج ضد التطرف الديني، وتتذرع بذلك لمحاربة دين الله والمسلمين في العالم، هي نفس الوسائل التي تدافع عن التطرّف المادّي، بل هي نفس الوسائل التي تعلّم البشر دروسا في عبادة المادّة، وفي التفاني لأجل زخارف الدنيا واتباع الشهوات، والهيمنة على الأموال والموارد البشرية، وهي نفس الوسائل التي تدافع عن كنوز قارونات العصر وتعدّيات المفسدين المستبدين في العالم، وهي نفس الوسائل التي تغضّ الطرف عن المجاعات ووفياتها بينما تسلّط الضوء أكثر على إتراف المترفين وإفساد المفسدين وكماليات العيش، وهي نفس الوسائل التي تغضّ الطرف عن آلام الفقراء والمستضعفين في العالم، بينما تسلّط الضوء على زخارف الأثرياء في قصورهم ليل نهار.
إنّ الإعلام الدولي الذي ينبح ليل نهار عن التطرف الديني، في نفس الوقت ينفخ في مخاطبيه أنفاس التطرّف المادّي الذي هو أخطر وأكثر إضرارا بالعالم، فإذا كان يموت بضعة أشخاص بسبب التطرف الديني الموهوم الذي يدّعيه العالم خلال سنة، فهناك وفيات يومية بسبب الجوع والمجاعة، علّتها التطرّف المادّي المعاصر واحتكار الثروات من جانب عُصبة فاسدة مجرمة، ومن عللها هيمنة طبقات خاصّة على موارد الأرزاق في العالم والتحكم فيها كما يشاؤون، وجذورها تعود إلى غياب الوجدان والضمير من قلوب وصدور من آلت إليهم قيادة العالم في عصرنا.
ولنا أن نتساءل أخيرا: لماذا يسلّط الإعلام الضوء على التطرّف الديني الإسلامي الموهوم، ويسكت على طغيان المادّة وتطرّفها والمتطرفين المادّيين في عالمنا؟
أليس هذا بسبب أن قادة المنظومة الدولية مجموعة من المتطرفين الماديين، بينما الدين الاسلامي الذي هو دين الله الذي نسخ الديانات الباطلة حارب في تاريخه الطغيان والتطرف في الماديات، واتّباع الأهواء والشهوات والمطامع المادية محاربة عنيفة، وأنّ هذا الدين حقّق نجاحا في العدالة الاجتماعية، وأنّه وضع حدّا للتطرف المادي وطغيانه، وأنّه وضع حدودا لشهوة المال والبطن.
يبدو أنّ الحدود والنظم التي وضعها الدين الإسلامي لصيانة الإنسان من التطرّف المادّي، لا يُطيقها المتطرّفون المادّيون الذين يسيطرون على المنظومة العالمية في هذا العصر؛ لأن تلك الحدود والنُظُم إذا طُبّقت لما طغت، ولما تطرّفت جماعة في موارد الأرض وثرواتها على حساب جماعة أخرى لا يجدون لقيمات يقيمون بها أصلابهم. تلك حدود ونظم لو وجدت تطبيقا في أرض الواقع لما جاع حيوان فوق هذا الثرى، فضلا من أن يموت بشر يوميا بسبب الجوع والمجاعة..
فعندما تحارب وسائل الإعلام الإسلامَ، في الحقيقة يحاربون حدوده وأنظمته التي فيها شفاء العالم من أمراضه، وفيها نجاة البشر من أزماته المالية والاقتصادية والغذائية، وإنما يحاربون دينا جعل في هذه الموارد التي بأيديهم حقا للسائلين والمحرومين والجائعين والحفاة…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات