الشيخ عبد الحميد: الدين الأحسن والأقوى أن يكون المرء متسارعا إلى إمتثال أوامر الرب دون أن يطلب العلل والحِكَم

الشيخ عبد الحميد:  الدين الأحسن والأقوى أن يكون المرء متسارعا إلى إمتثال أوامر الرب دون أن يطلب العلل والحِكَم

قال فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة، في خطبته التي ألقاها أمام عشرات الآلاف من المصلين في الجامع المكي بمدينة زاهدان، بعد تلاوة آية “وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا”: من أهم الأشياء التي لا تساويه نعمة في العالم، هي نعمة الدين. وقد بدأت سلسلة الدين والتدين منذ خلق آدم. فآدم  عليه الصلاة والسلام أول من عمل على الدين ودعا إليه. إن قضية الدين كانت مطروحة في بداية خلق آدم، والدين كلمة محبوبة ومصطلح جميل عند البشر. وأضاف فضيلته قائلا: الدين معناه التقيد والالتزام بما هو مطلوب عند الله تبارك وتعالى. الدين مرضي ومطلوب، لأنه يضمن مرضاتنا في الدنيا والآخرة، وما يفلحنا ويسعدنا في الدنيا والآخرة.
وتابع فضيلته قائلا: إن جميع الأنبياء والأولياء والمقربين عند الله تعالى وخاصته، وكل من وصلوا إلى قرب الله، إنما وصلوا إليه من منطلق الدين. ربما يتمنى كل منا أن يكون متدينا كاملا، وأن يكون على ديانة بحيث يرضى الله تعالى، لذلك يقول الله تعالى: “ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله”. فالشخص الذي يسلم وجهه لله ويطيع أحكامه، وهو متواضع تجاه أوامر الرب تبارك وتعالى، دينه أقوى وأحسن من كل دين. فمثل هذا الشخص يؤمن بالله، لأن الله تعالى يأمره بالإيمان، ولا يقول ماذا يكون مصير الأصنام إن آمنت بالله، وماذا يكون تقاليد آبائي إن أمنت بالله؟ بل ينظر إلى معتقداته ومقتضيات إيمانه، ويفتخر بذلك، ولا يهمه أولاده ولا المناصب المادية ولا الأموال.
وتابع فضيلة الشيخ مشيرا إلى حقيقة إسلام المرء قائلا: الدين الأحسن والأقوى أن يكون المرء مخلصا محسنا يخضع لأوامر الله تعالى وأحكامه بسرعة من غير أن يطلب حكمها وعللها. لما أمر الله إبراهيم نبي الله أن يترك أهله في واد غير ذي زرع وامتثل إبراهيم حكم الرب من غير أن يطلب العلة والحكمة، لأنه كان يعلم أن الله الذي أمره بذلك حكيم يعلم علة  ذلك وحكمته. ولما تبعته أم إسماعيل فقالت يا إيراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يتلفت إليها، فقالت له آلله الذي أمرك بهذا؟ قال نعم، قالت إذن لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم. وعندما أمر سيدنا إبراهيم بذبح ولده لم يسأل عن الحكمة والعلة، وإسماعيل عليه الصلاة والسلام أيضا لم يقل ماذا ينفع الرب بذبحي، بل قال ياأبت افعل ماتؤمر، ولا ينبغي التأجيل في إمتثال حكم الرب عزوجل، فانطلق الأب والإبن نحو منى لامتثال حكم الله تعالى، وطلبا أيضا من الله تعالى أن يجعلهما مسلمين.
واستطرد فضيلته قائلا: لا شك أن معرفة العلل وحكم الأحكام والمسائل الشرعية مفيدة، ولكن الأجمل والأحسن هو الامتثال لأحكام الله وإطاعة أوامر الشريعة، وان نعلم ونوقن بأن جميع أحكام الله تعالى ناشئة عن الحكمة والعلة، فندفع زكاة المال وننفق في سبيل الله ونؤتي الصدقات، فإن الله يربي الصدقات. الأموال تزيد بالصدقات. قال الله تعالى: “ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه”. وقال تعالى: “من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا”.
وأضاف فضيلته:  كل من أنفق ماله على الفقراء والمساكين، فقد تخلق بخلق من أخلاق الله وهو الإنفاق والسخاء والجود على الخلق. فلندرك الفقراء والأيتام والمساكين والمرضى. كل من أمسك عن الإنفاق يخسر، والذي ينفق لايتضرر ولا يخسر.
وتابع فضيلة الشيخ عبد الحميد: الدين الكامل، دين من أسلم أمام كل حكم من أحكام الله، وإن تهيأ له فرصة أكل الربا والرشوة لا يأخذها ولا يخالف الشرع. وإن وجد فرصة للزنا يهرب ويفر منه كما هرب سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام. وقد عزم سيدنا يوسف على أن يحفظ عفافه، وعلينا أن نجمع على ترك المعاصي ونكون مسلمين خاضعين تجاه أحكام الله تعالى.
واستطرد فضيلة الشيخ قائلا: قال الله تعالى “وهو محسن” أي يكون عبدا مخلصا ويكون محسنا في أعماله وعباداته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه” بأن تصلي أو تصوم أو تحج كأنك ترى الرب.
والصفة الثالثة التي أشيرت إليها في الآية، أن يكون الشخص الذي أسلم وجهه لله وصار محسنا في عباداته أن يكون على ملة إبراهيم.  قال الله تعالى: “واتبع ملة إبراهيم حنيفا”؛ الإسلام ودين إبراهيم شيء واحد، بل إبراهيم هو الذي سمّانا مسلمين، وإن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا.
اليهود كانوا يقولون إننا على ملة إبراهيم والنصارى أيضا كانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم، فردّ الله مزاعمهم، وكان اليهود والنصارى يقولون لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. رد الله تعالى مزاعمهم هذا وقال: “بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. فأهل الجنة هو المسلم المخلص المطيع لأحكام الرب.
وأضاف فضيلة الشيخ قائلا: الأمة الناجحة في الكون هي الأمة التي تترك المعاصي والذنوب، لأن قوة الأمم بقوة إيمانها والتزامها بمبادئها، ولكن الأمم التي تنغمس في المعاصي والذنوب وتقبل إليها، فهي أمم تخسر كل شيء. فعلينا أن نحافظ أبصارنا ومسامعنا من الذنوب ولا تصدر من أعضائنا إلا ما يرضي الله تعالى.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات