قال فضيلة الشيخ عبد الحميد إمام وخطيب الجمعة لأهل السنة في زاهدان بعد تلاوة آية “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”: الإنسان كائن غريب في خلقته، فقد ركب الله تعالى فيه الصفات البهيمية والملكية، فهو حيوان من ناحية وملك من ناحية أخرى. فله صلة بالماديات كما أنه متعلق بالملكوت الأعلى. فجسم الإنسان كما قال الله تعالى”وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ” أي من طين أسود متغير الرائحة، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا كالفخار. فركبت في الإنسان هذه العناصر الموجودة في الأرض والتي خلق منها الحيوان أيضا. وجعل الله تعالى في الإنسان الروح التي لها الصلة بالملكوت الأعلى فقال الله تعالى: “ونفخت فيه من روحي”.
واستطرد فضيلة الشيخ قائلا: بناء على هذين توجد في الإنسان رغبتان شديديتان متضادتان، رغبة حيوانية وبهيمية تجره إلى الأكل والشرب وغيرها من الأمور المادة والشهوة النفسية التي هي من خصائص الحيوانات، فالحيوانات لا تعرف الشبع، وهي عنما ترى العلوفة والغذاء تهجم عليها. فتوجد هذه الشهوة والرغبة للماديات في الإنسان أيضا، إلا أن الإنسان حيوان عاقل وكان الأجدر بالفلاسفة أن يعرفوا الإنسان بهذا بدل الناطق. والعقل نعمة وخاصة للبشر من المؤمن وغيره. وهي تمنع الإنسان من أن تكون رغبته إلى الطعام والشراب وغيرها من شهوة النفس رغبة جنونية مثل ما عند البهائم والدواب.
وأضاف قائلا: الرغبة الأخرى هي رغبة البعد الملكي المركب في الإنسان الذي تدفع الإنسان إلى الجنة وإلى الأعلى وإلى العليين. ونظرا إلى هذا البعد ليس الإنسان من هذه الدنيا فهو من الأعلى وعليه أن يتخلق بأخلاق من في السماوات من الملائكة ويتصف بصفاتهم ليقرب منهم.
وتابع فضيلة الشيخ قائلا: الإنسان خلق خلقا وسطا بين البهيمية والملكية، ففيه ميول ونزعات إلى كل واحدة من هاتين الصفتين. فربما تتغلب الصفات البهيمية فيه فيخلد إلى الأرض، ويكون مصداقا لهذه الآية”َلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”. فإذا تغلبت في الإنسان الصفات البهيمية والحيوانية وعندما ارتكب المعاصي والذنوب والمحرمات الإلهية، وصار الأكل والماديات همّه الوحيد في هذه الدنيا، فهو في الحقيقة كالأنعام. فهذا الإنسان كما قال الله تعالى مثله مثل الكلب في أي لباس ومكانة كان.
وأشار فضيلة الشيخ إلى تعاليم الأنبياء والمرسلين كالغذاء المقوي للبعد الملكي في الإنسان قائلا: تعاليم الأنبياء والمرسلين وخاصة تعاليم سيد المرسلين وهديه وسيرته، كل ذلك جاء لتقوية البعد الملكي في الإنسان، ولأن يتقرب بها الإنسان من ربه ويصل إلى الدرجات العلى، ويكون ذا قيمة ومكانة عند ربه من خلال التزامه هذه التعاليم، وعندئد يكون في العليين.
وأضاف قائلا: فريضة الصوم من أهم الأحكام التي توصل الإنسان إلى ربه وتقوي فيه الصفات الملكية، بل هذا الشهر نفسه هو شهر تلاوة القرآن الكريم والعبادة، فليكن لنا فيه دعاء وتضرع، وهو شهر تتضاعف أجور العبادات فيها إلى أضعاف، إلا الصوم فإنه لله كما ورد في الحديث “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” . ومن صام رمصان فلیصم أیضا من الذنوب والمعاصی ولیتجنب الجدال والنزاع وليقل إذا جادله أحد إني صائم. فشهرا واحدا من السنة نجوع بطوننا ونتردد إلى الضعفاء والمساكين ونتبرع عليهم ونتبرع على الفقراء والمساكين والطلبة، وننفق في سبيل الله، ولنعفو ونصفح عمن كان على اختلاف معنا، ونختار في هذا الشهر صفات الملائكة ونتشبه بهم.
وأضاف قائلا: خلاصة القول أن لا نكون غافلين ومتكاسلين في هذا الشهر، فمن الناس من يوفق لقيام ليالي رمضان، بل كل شهور السنة له بمثل شهر رمضان، ما أسعد هؤلاء. وويل لمن يأتيه رمضان وهو منهمك في تجارته ودنياه ومتعلق بنقوده وفلوسه. علينا أيها الإخوة أن نعلق قلوبنا بالجنة والعليين والملكوت الأعلى. فويل لمن يخسر هذه الأمطار من الرحمات الإلهية، ففي اكتسابها نتنافس ونتسابق. قال الله تعالى: “ففي ذلك فليتنافس المتنافسون”. هذا الشهر شهر عظيم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه”. فإن ذهب هذا الأجر من أيدينا لا نستطيع استدراكه في غيره من الأيام والأماكن، فلنسارع إلى الحسنات والخيرات.
وتابع فضيلة الشيخ مشيرا إلى قيام رمضان قائلا: ورد في الحديث الشريف “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم مهتمين بقيام رمضان. ففي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج ذات ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: “أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها”. واهتم بصلاة التروايح في جماعات منفردة في عهد الصديق وصدرا من عهد الفاروق رضي الله تعالى عنهم، إلى أن جمعهم عمر رضي الله تعالى عنه على أبي بن كعب. وكانت التراويح عشرون ركعة في جميع الأزمنة وكانت عشرون ركعة في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله تعالى عنهم.
وأشار فضيلة الشيخ في القسم الأخير من الخطبة إلى زيادة حوادث المرور قائلا: علينا جميعا احترام قوانين المرور ومراعاتها، ومراعاة السرعة المحددة للسيارات حتى لا نواجه الحوادث المؤلمة.
وأضاف قائلا: إننا جميعا نعاني في بلادنا قلة الاهتمام بالقوانين ومراعاتها. فأهل السنة دائما معترضون على السلطات بأنهم لا يراعون القوانين في حقهم. فعلى الشعب ممارسة ثقافة التزام القوانين ومراعاتها في البلاد، كما أن على المسؤولين أيضا أن يراعوا القوانين في جميع المجالات.
وتابع فضيلته: نظرا إلى الفقر والبطالة وعدم توفر المشاغل الصحيحة للجميع في المحافظة ربما يلجأ الكثير من أبناء المحافظة إلى تهريب السلع والوقود من الحدود، فتطاردهم الشرطة وربما تطلق عليهم النار، وإطلاق النار لا يكون على عجلات السيارة لإيقافها بل على الراكبين الذين يسعون للقمة يسدون بها جوعهم وجوع أهليهم، وقد قتل الكثيرون بسبب نيران الشرطة. فنصيحتي لقوات الشرطة أن يفرقوا بين مهربي المخدرات والأسلحة ومهربي الوقود والسلع، فلا ينبغي قتل من يقوم بتهريب الوقود والسلع يطلب بذلك قوت أهله مع أنه لا توجد مشاغل مشروعة كافية في المحافظة، فإنه لا يجوزشرعا قتل مثل هؤلاء. يجب أن يشعر الشعب بالأمن والأمان من جانب الشرطة ويعتبرونهم حماة لأنفسهم.

تعليقات