تطرق سماحة الشيخ عبدالحميد حفظه الله في خطبته يوم الجمعة إلی كارثة تخريب مدرسة الإمام أبي حنيفة الدينية في مدينة زابل والإساءة للقرآن الكريم والكتب الدينية فيها وأدان هذه الممارسة الدنيئة، وكذلك أشار إلی موضوع "مسئولية الإنسان تجاه الأمانة الإلهية".
أشار سماحة الشيخ عبدالحميد إمام وخطيب الجمعة لأهل السنة بمدينة زاهدان في خطبته يوم الجمعة إلی تخريب مدرسة الإمام أبي حنيفة الدينية في مدينة زابل قائلا: كل شخص يعرف جيدا أننا لسنا من مناهضي الحكومة ولا من مناهضي الشيعة وأعداءهم في هذه البلاد، والناس في عصرنا يتعجلون في توجيه التهم ويتهمون الآخرين بأمور وتهم لا تصح، وقد بذلنا ما في وسعنا لجمع شمل المسلمين والوحدة بين مختلف الفرق والمذاهب، وقد أدينا واجبنا في مجال التقريب والأمن في المنطقة، ولم يكن في المنطقة نزاع وخلاف طائفي منذ ثلاثين سنة وحتی قبل الثورة زمن النظام السابق.
وأضاف قائلا: إننا لم نضيع حق الحكومة في أي وقت، كما لم نضيع حق الشيعة، والشيعة لم يشعروا بمشكلة من ناحيتنا، وأكبر دليل علی ذلك مشاركة شعبنا في جميع أدوار الانتخابات والاستقبال من قائد الثورة ورئيس الجمهورية حينما قدموا إلی هذه المحافظة.
واستطرد قائلا: كتبت رسالة إلی كل من قائد الثورة والرئيس أحمدي نجاد وآية الله هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام وآية الله شاهرودي رئيس السلطة القضائية وذكرت فيها بعض المشاكل التي يعاني منها السنة في إيران، وهذه الضغوط الأخيرة التي فرضت علی أهل السنة سياسة تمييزية تجلب عواقب خطيرة للحكومة والبلاد، ويجب أن تراعی حقوقنا، فإننا أحرار في أمورنا التعليمية والتربوية، ولم يرد في الدستور أن يستأذن الإنسان لبناء مسجد في قرية أو إقامة صلاته من شخص، فنحن أحرار وعلی الحكومة أن تدعم هذا الحق الذي أعطانا الدستور، والحقيقة أن هذه الكارثة (تخريب المدرسة الدينية والإساءة للقرآن الكريم) كانت مؤلمة ومؤسفة وجارحة لمشاعرنا.
وأردف قائلا: في السنة الماضية تمت مداهمة المدرسة التي كانت في قرية "لوطك" من قِبَل عناصر مشبوهة ومسلحة من قِبَل دوائر حكومية خاصة، فاضطر الطلبة والأساتذة إلی أن يغادروا تلك القرية ولجأوا إلی هذه القرية التي تقع بجوارها بدعوة من أهاليها، فقام الناس بمساعدتهم وإعانتهم وأعطوهم الغرف والبيوت واستقبلوهم استقبالا جميلا، وشرع الدرس والتعليم في الخيم والبيوت القديمة، وإنها من أهم المدارس الدينية في المحافظة من نواحي الدعوية والتربوية والتعليمية، ولم يكن هناك شيء سوی الأمور المتعلقة بالتعليم والتعلم، ومن ادعی غير ذلك فهو كاذب، ونحن نعرف ذلك جيدا لأننا كنا مشرفين عليها.
يزعم كثير من الناس أن "سيستان" منطقة شيعية، والحقيقة أن أدنی عدد يمكن أن يكون نسبة السنة فيها هو أربعون في المائة من كافة سكانها.
وتابع قائلا: إن التعليم والتعلم وإقامة الصلاة وبناء المساجد والمدارس الدينية من حقوقنا، ونحن ما قمنا ببناء العمارة للمدرسة في تلك القرية بعد ما مُنعنا مع أن الناس أحرار في القری لبناء بيوتهم وعماراتهم ولا يحتاجون إلی ترخيصات حكومية.
مع الأسف هجمت القوات المسلحة الإيرانية بشكل كبير وهدّموا الغرف الحقيرة المتواضعة القديمة التي تم وقفها للمدرسة، وكذلك البيوت المستعارة من الناس، ومن المؤسف جدا أنهم أساءوا للقرآن الكريم والكتب الشرعية الدينية المليئة بالآيات والأحاديث.
وأضاف سماحته قائلا: كنا نرجو من الذين ينتسبون إلی قائد الثورة الذي قضی منفاه زمن الشاه في هذه المنطقة أن لا يبادروا إلی هذه الكارثة فإنها بعيدة كل البعد عن الأخوّة الدينية.
ادعی البعض أنكم لا تملكون الترخيص فقمنا بطلب الترخيص ولم تكن هناك عمليات البناء والعمارة.
نرجو أن لا يكون هناك تدخل في شئوننا التعليمية وأن لا يتأذی أبناء السنة لإقامة الصلاة في ميقاتها في مختلف الدوائر الحكومية حيث أنهم يواجهون المشاكل في أداء صلاتهم، وهذه مشكلة كنا نرجو أن يحلها المسئولون الكبار، وقد قامت الحكومة في الآونة الأخيرة بتخريب بيوت أهل السنة في ضواحي مدينة زاهدان مع أنهم عاشوا فيها منذ سنين، فإذا كان بناءهم غير مشروع فلماذا لم يمنعوا من أول يوم، مع أن أراضي هذه المدينة تُدفع إلی غير أهلها القادمين من سائر المدن والمحافظات.
ما كنا نحلم أن تخرّب مساجدنا ومراكزنا الدينية في يوم من الأيام. ولما أسس مكتب ممثل قائد الثورة في مدينة زاهدان سررنا بأن يكون هناك اهتمام من جانب القائد إلی قضایا السنة ومع الأسف لم يستخدم هذا المكتب أحدا من علماء السنة، ونرجو من مسئولي النظام أن يراعوا حقوق أهل السنة والجماعة، فطلبة هذه المدرسة إلی أين يرحلوا بعد تدميرها، بل من حق الشعب السيستاني أن يكون هؤلاء الطلبة بينهم.
واستطرد قائلا: كان من المناسب في أسبوع الدولة أن أهنئكم بجهود الدولة وخدماتها، ومع الأسف البالغ أعزّيكم بهذه الأعمال التي ارتكبتها الدولة، ونحن إذ ندين هذه الممارسة ونتألم لهذه الكارثة نرفع شكوانا إلی الله عز وجل، فإليه المشتكی.
وأضاف: أنا لا أعدكم بمتابعة هذه القضية شخصيا وحلها، فإذا قام المسئولون بمتابعتها وحلها وحققوا في ذلك نتيجة مرضية سنشكرهم إذن، وإلا فشكاوينا إلی الله تعالی مرفوعة.
وفي الخطبة الأخری تلا سماحته هذه الآية الكريمة: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا. ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيما»، ثم توجه إلی المستمعين قائلا: إن هذه الآية التي تلوته أمامكم تشير إلی قصة جاء ذكرها في الأحاديث بالبسط والتفصيل وإن أسلوب القرآن الكريم أنه لا يدفع إلی التفاصيل في القصص، وعلی الواعظ أيضا أن يراعي هذا الأسلوب في وعظه وخطبته.
أشار القرآن في هذه الآية إلی حادثة خلق الإنسان، وأنه تعالی يريد أن يبعث إلی الدنيا البشر ليبلوهم، ولم يكن البشر، فأراد أن يخلقهم، فخلق الله السماء والأرض، ولما فرغ عن خلقهما خلق كل ما فيهما من الجبال والبحار وكان في ستة أيام، وخلق الفضاء والخلأ وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والمجرات. قال تعالی: "في ستة أيام سواء للسائلين"، أي هذا القدر يكفي لجواب من يسئل عن خلقها. وخلق الله تعالی بعدها آدم عليه الصلاة والسلام، وقدم في هذه الآية تصويرا رائعا عن مسئولية الإنسان تجاه الأحكام الشرعية والتكاليف الدينية، فعرض الله سبحانه وتعالی أولا علی السماوات والأرض هذه الأمانة العظيمة بأنهما إن نجحتا في أداء هذه الأمانة تستحقان الثواب والجزاء الحسن، فأبت السماوات والأرض عن قبولها ولم تقبلا ذلك وقالتا لا نطيق امتحانك يا رب العالمين.
يذكر عن الأمام الغزالي والخطابي والشاه ولي الله الدهلوي رحمهم الله أن المراد من إعراض السماوات والأرض من قبول هذه الأمانة هو الإنكار بلسان الحال لا بالمقال، أي لم يكن لديهم استعداد لهذا الامتحان، والإنسان يصلح لهذه الأمانة، وان هذه القصة تشبه قصة إبراهيم مع الضيوف الذين دخلوا عليه وكانوا من الملائكة وقدم إليهم لحم عجل مشوي، فلما أبت الملائكة من الأكل أوجس منهم خيفة، ولكنهم قالوا له لا تخف.
وقال آخرون: أنطقهم الله سبحانه وتعالی فتكلموا مع الله تعالی أنهم لا يقبلون هذه الرسالة، ولكن الإنسان قبل هذه الأمانة، فهذا إعلان من جانب الله تعالی أن أحكام الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحج كلها أمانة الرب تبارك وتعالی ونحن حملة هذه الأمانة، فيجب علينا أن نحافظ عليها ولا نخون الله تعالی فيها. فالذي لا يصلي والذي لا يؤدي الزكاة والذي لا يحج فقد خان الله تعالی في أمانته وسيحشر يوم القيامة عند الله خائنا.
يقول الله عز وجل: "وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"، لأنه لم يؤد الأمانة وخان فيها إلا جماعة قليلة من المؤمنين.
إخوتي الأعزة! إن حياتنا مختصرة وقصيرة في هذه الدنيا ونحن في اختبار وامتحان من جانب الله، وإن من امتحاناته واختباراته في هذه الأيام صيام شهر رمضان وهو ربيع القلوب وموسم الإيمان والمعنوية والعمل، وتزداد في كمية ثواب العبادات والأعمال الصالحة في هذا الشهر المبارك وتتضاعف إلی سبعين درجة وخاصة في الحرمين الشريفين تزداد أجور العبادات إلی أضعاف مضاعفة، فعلينا أن نرحب بهذه الفرصة الثمينة ونستفيد منها وننتفع بهذا الفضل الإلهي.
يقول الله تعالی: "فاما من خاف مقام ربه ونهی النفس عن الهوی فإن الجنة هي المأوی"، فمن منع نفسه من الشهوات المحرمة والأماني المخالفة للشريعة فمأواه الجنة.
هذا شهر التقوی وشهر ازدياد الأجور. لو كنا غافلين عن الله تعالی وعن الذكر والعبادات في سائر الأشهر يمكن لنا تداركها في هذا الشهر وهو علی حسب جهود الطالبين ومساعيهم شريطة أن يكون طلبهم طلبا جادّا.
هذا الشهر شهر الصلاة والتراويح وشهر الذكر والاستغفار وشهر الصدقة والخيرات وشهر الإمساك عن المحرمات وشهر الأنوار والبركات.
قال أحد العلماء: إن البركات تنزل في جميع ساعات هذا الشهر، فليالي هذا الشهر مباركة، والعبادة فيها والتوجه إلی الله من أعظم الأمور، ونتمنی أن نستقبل هذا الشهر بلطف وحفاوة وجد، ونكون من عباد الله المخلصين الصادقين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعليقات