1 – إنّ الأمر الذي يقتضي الاحتياط والحذر في التفسير بغير اللّغة العربية هو ترجمة القرآن ونقل معانيه إلی اللّغات الأخری، لأن الترجمة حكاية كلام الله إلى لغة أخری غير العربية، فلا يجوز فيه أدني زيادة أو نقص، ومن ثم لم أجترأ علی ترجمة جديدة من تلقاء نفسي ولم أشعر ضرورة ذلك، لأنّ كبار العلماء والمشايخ قد كفوا المؤنة، لقد قام الشيخ رفيع الدين والشيخ عبدالقادر إبنا الإمام ولي الله الدهلوي بهذا العمل أحسن قيام علی طريقتهما. أمّا الشيخ “رفيع الدين” فقام بالترجمة اللفظية ولم يهتمّ بمراعاة قواعد المحاورة الأردية، والترجمة الثانية فقد قام به الشيخ “عبدالقادر” ونقل كلمات القرآن إلى اللغة الأردية وفقاً لقواعد اللسان.
وقد أكمل هذه الترجمة في المسجد طيلة أربعين عاماً وهو معتكف في المسجد حتی أخرج جنازته من المسجد. كان يقول الشيخ “محمّد يعقوب” رئيس قسم التدريس بدارالعلوم ديوبند أنّ هذه الترجمة ترجمة مستلهمة لاريب فيها، لأنه ليس بوسع إنسان أن يحسن هكذا نقل المعاني إلی لغة أخری إلّا من ألهمه الله ووفقه.
وفي زماننا لما رأی الشيخ “محمود الحسن الديوبندي” أنّ اللغة قد تغير بعض آدابها فقام بتعديل الترجمة الأخيرة وجعلها توافق مصطلحات العصر، وأنّ العبد الضعيف في هذا التفسير استفاد منها وجعلها تحت المتن.
2– إنّ سيّدي حكيم الأمّة مولانا الشيخ “أشرف علي التهانوي” لمّا ألّف تفسير “بيان القرآن” جعل التفسير بين القوسين عند الترجمة الأردية، وجعل فوق الترجمة خطاً ليتميز من التفسير. ولمّا أراد بعض الناس طباعة الترجمة طبعوها علی حدة. أمّا أنا فنقلت التفسير والترجمة كليهما في كتابي وسمّيتهما التفسير المختصر؛ وحيث وجدت كلمة صعبة بدّلتها إلى كلمة سهلة، وإن كان هناك مطلباً يصعب فهمه على القرّاء أوضحته عند ذكر المعارف والمسائل. ومما يجدر بالذكر أني جعلت ترجمة شيخ الهند تحت المتن ليستفيد منه القرّاء.
3 – أمّا ما قمت به من عمل في هذا التفسير فستقرأه تحت عنوان «المعارف والمسائل»، ولم آت بجديد، إنّما استفدت من تفاسير السلف الصالح وذكرت المصدر عند كل نقل، والتزمت في ذاك ما يلي:
ألف– الواجب علی كل مفسر أن يقوم أولاً بتحقيق الكلمات وتوضيح مكانتها النحوية والبلاغية وبيان اختلاف القراءات، ولا شك أنّ كل ذلك يسبب الفهم الصحيح لمعاني القرآن الكريم، ولكن لا يعزبن عن البال أن كثيرا من أهل العلم قد يستصعبون هذه المباحث وقد لا يستفيدون منها فضلاً عن عامة الناس، ولا يخفی أن بعض هذه المباحث فوق مستواهم، وقد يخلّ في الغاية، لأنهم يحسبون أن فهم القرآن لا يمكن لهم، والواقع غير ذلك. كيف وأن الهدف الرئيسي من نزول القرآن تقوية الصلة بين العبد وربه، وأن تعدل علاقاته المادية التي تعرقل مسيرة العمل بالدين، وأن يستعد للآخرة، ويفيق من الغفلة، ويكلّف نفسه علی العمل بالشريعة قولاً وفعلاً، ولا يخطو خطوة إلّا بأمر الله ورسوله؛ ولا شكّ أن الله سبحانه قد يسّر هذه الغاية في القرآن الكريم لكل عبد، سواء كان دارساً أو أميّاً، كما يقول الله سبحانه وتعالی: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مّدكر».
فنظراً إلی تلك الغاية – أي تيسير فهم القرآن الكريم – صرفنا النظر عن الأبحاث العلمية البحتة والمصطلاحات التيتخصّ العلماء، واكتفينا عند ذكر أقوال أئمة التفسير بالراجح الذي اختاره الجمهور.
ب: حاولنا نقل مطالب من التفاسير المعتبرة ما يدخل في القلوب محبة الله ورسوله وتعظيم أمره ويحثّ علی العمل وتزكية النفوس وإصلاح الحال.
ج: يعتقد كلّ مسلم أن القرآن الكريم نزل لهداية البشر إلی يوم القيامة، ويوجد فيه حلّ كلّ مشكلة من مشكلات الحياة. هذا إذا قرأه البشر، وتدبروا في آياته في ضوء ما بيّن وأوضح النبي صلی الله عليه وسلم، ولأجل هذا كان العلماء المفسّرون يهتمون في تفاسيرهم ومؤلفاتهم بالتركيز علی القضايا المعاصرة والتي أنشأتها عصورهم، كما يهتمّون بالرد علی الشبهات التي أثارها المبطلون وأهل الضلال، ومن ثم نری كتب التفاسير التي ألّفت في القديم (القرون المتوسطة) مليئة بالمناقشات مع الفرق المعتزلة والجهمية والصفوانية وغيرها.
وفي ضوء ذاك المنهج أردت الاهتمام بالقضايا التي أحدثها عصرنا الذي نعيش فيه، كما حاولت الرد علی الشبهات التي تثيرها الطوائف الزائغة من اليهود والنصاری والمستشرقين.
أمّا بالنسبة إلى المسائل الحديثة والقضايا المعاصرة فحاولت أن أبحث عن دليل في الكتاب والسنّة أو في أقوال الفقهاء، وقد وفقت في هذا الأمر، فللّه الحمد علی ذلك. ولم أنْسَ المشورة مع العلماء المعاصرين والاستفادة من آرائهم، أمّا بشأن الشبهات الحديثة، فقد سعينا إلی إجابات توجب الطمأنينة وتثلج الصدور دون أي تغيير أو تعديل في الأحكام الشرعية كما يفعله بعض المصنفين في العصر الراهن عند الدفاع عن مواقف الإسلام، فيؤوّلون أو يغيّرون المسائلالشرعية؛ ولم نأل جهداً في هذا الصدد، ولا ندّعي العصمة والسداد، ولعلنا أخطانا من حيث لم نشعر، فنرجو الله العفو والغفران وندعوه أن يجعل لنا سبيلاً للإصلاح.
فنظراً إلی هذه الالتزامات، صار تفسير معارف القرآن تفسيراً شاملاً جامعاً لما يلي:
1– اعتمدنا في نقل معاني القرآن باللّغة الأردية علی ترجمتين صحيحتين، إحداهما للشيخ العلامة محمود الحسن التي بناها علی ترجمة الشيخ عبدالقادر؛ والأخرى لحكيم الأمّة مولانا أشرف علي التهانوي رحمه الله.
2– خلاصة التفسير أو التفسير المختصر. اعتمدنا فيه علی بيان القرآن للشيخ التهانوي رحمه الله. ولا شك أن هذا التفسير المختصر لو طبع علی حواشي المصاحف لاستفاد منه المسلمون في فهم القرآن الكريم، لاسيما الذين لا يمكن لهم الاستفادة من المطولات، ولا أنسی أنّ الأخ في الله الشيخ بدرعالم الذي هاجر إلی المدينة المنورة، ذات مرة أراني تفسيراً مختصراً للعلّامة فريد الوجدي علی حاشية مصحف، وتمنی أن يكون مثله باللغة الأردية، فحقق الله سبحانه تعالیأمنيته.
3– ما تقرأونه في التفسير تحت عنوان فقه الحياة أو الأحكام، فهذا ما سطره يراع قلمي وهو حصيلة جهدي، ولكني في الحقيقة كمتطفّل علی مائدة السلف الصالحين وللّه الحمد علی ذلك، وما أحببت أن أسلك سبيل الذين يجانبون طريق السلف، وجلُّ جهدهم أن يأتوا بشيء جديد من عند أنفسهم؛ ولا أدري كيف أشكر ربي أنه وفقني لهذا، ولو لا توفيقه لما استطعت.
اين همه گفتيم و ليك اندر بسيچ بي عنايات خدا هيچم و هيچ
[قلنا كلّ هذا، ولكن بغير عنايات الله لستُ بشيء]
واللهَ سبحانه وتعالی أسال الصواب والسداد في المبدأ والمعاد، وبه أستعين من زلة القدم فيما علمت وما لا أعلم، وإياه أسال أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله منّي كما تقبل من صالحي عباده، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون، وله الحمد أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلی الله علی خير خلقه وصفوة رسله خاتم أنبيائه وعلی آله وأصحابه أجمعين وبارك وسلم تسليماً كثيراً.
العبد الضعيف المسكين محمّد شفيع، خادم دارالعلوم كراتشي، 25 شعبان سنة 1392هـ.

تعليقات