تطرق سماحة الشيخ عبدالحميد في خطبته يوم الجمعة إلی موضوع "مجاهدة النفس"، وكذلك أشار سماحته إلی بعض الضغوط المفروضة علی أهل السنة في الآونة الأخيرة، وحثّ رجال الحكومة علی رفعها.
بدأ فضيلة الشيخ عبدالحميد حفظه الله إمام وخطيب الجمعة لأهل السنة بمدينة زاهدان خطبته يوم الجمعة بتلاوة هذه الآية المباركة: «وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء علی الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولی ونعم النصير»، ثم توجه إلی المستمعين قائلا: إن الله تعالی ذكر في القرآن ألفاظ الجهاد والمجاهدة والسعي في سبيل الله، ودعا المؤمنين إلی الجهاد في سبيل الله.
وأضاف قائلا: الجهاد لفظ عام، له معاني متعددة، منها الجهاد ضد الكفار والمحتلين، ومنها الجهاد بالمال وهو أن يبذل المرء من أمواله في سبيل الله ليحصل علی مرضاة الله تعالی. «وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم».
وتابع قائلا: مخالفة النفس والشيطان أيضا تدخل ضمن الجهاد، فإن النفس والشيطان يدعوان المرء إلی مخالفة أوامر الله تعالی.
يبدأ هذا الجهاد من حين البلوغ إلی آخر لحظة من الحياة، وهذان العدوان يسعيان أن يوجّها ضربتهما القاسية ضد الإيمان حتی في آخر لحظة من لحظات الحياة.
واستطرد قائلا: خُلِق الإنسان للمجاهدة والسعي في هذه الحياة، ونری نماذج لهذا السعي في حياة العمال والفلاحين، وإن الدنيا تحتاج إلی سعي حثيث ليصل المرء إلی نعيمها، فكيف يمكن الحصول علی نعم الآخرة السرمدية بغير السعي والمجاهدة؟!
السعادة الأخروية تحتاج إلی سعي ومجاهدة في هذه الحياة. فلو لم نستطع أن نؤدي الصلاة والزكاة والصيام في الصيف وحج بيت الله الحرام فكيف نرجو الحصول علی الجنة ونعيمها؟!
لا بد من تذليل النفس بالمجاهدة، لأن هناك عدوانا للنفس كما أن هذه الصفة موجودة في الحيوانات، وإذا صارت النفس مذللة فإن الأعمال الصالحة تسهل عليها، وهي تبادرها وتساعد المرء في تلك الأعمال.
وأردف سماحته قائلا: ربما يحرض الشيطان المرء علی فعل الحسنات حتی يصرفه عن العمل الأهم إلی المهم.
النفس تجبر المرء علی فعل المنكرات والمعاصي، والبطل من جاهد النفس والشيطان ولم يخضع ولم يركع أمامهما.
الصحابة رضي الله عنهم وصلوا إلی تلك المرتبة العليا بمجاهداتهم وتزكيتهم، وسهل عليهم فعل الحسنات والمعروفات.
وأضاف سماحة الشيخ عبدالحميد قائلا: إن الله تعالی اجتبی هذه الأمة، ويجب أن يكون سعي هذه الأمة أكثر من سائر الأمم، وهذا التكليف الشرعي هو في إطار ما يطاق، لا أكثر من الطاقة. «هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج».
وتابع بالقول: نعم! الحسنات والمعروفات تصعب علی الشخص في بداية الأمر، ولكن إذا جاهد مع النفس والشيطان فإنها تسهل عليه.
هذه الملة قريبة من ملة إبراهيم، «ملة ابيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا».
قد سُمّينا بالمسلمين لأن الواجب علينا أن نستسلم أمام أوامر الله تعالی أكثر من سائر الأمم.
وأشار سماحة الشيخ عبد الحميد حفظه الله تعالی أولا إلی الوضع الحساس الذي يحيط بالبلاد من التهديدات الخارجية، ثم تحدث عن الضغوط الأخيرة التي توجهت إلی أهل السنة في إيران قائلا: جرت في الآونة الأخيرة حوادث وأنتم علی علم بها، وليس من الضروري أن نطرح جميع المسائل والقضايا من هذه المنصة، وإنما نتكلم عن ما هو الأصلح والأهم.
وأضاف قائلا: هذه الأحاديث سواء اعتبرت شكوی أو انتقادا، لكننا نعبر عنها بالرجاء والتوقع – ونری أن هذه هي السياسة الناجحة والصائبة – أن الواجب علی جميع الإيرانين من كافة المذاهب والقوميات والمكونات السياسية عند ما يواجه البلد ضغوطا خارجية وتهديدات أجنبية، الوحدة والتظامن والتجمع تحت رأية واحدة، وأن يكون جميع الأقوام والفرق والطوائف متقاربين جنبا إلی جنب في مثل هذه الأوضاع، فإننا نری في هذه الأيام الجميع من كل طبقة يتحدثون عن الأخطار المحدقة بالبلاد ويقومون بتحليلها، فالواجب علی الشعب أن يكونوا متضامنين أمام هذه التحديات والأخطار الخارجية، فإن الحيوانات عند ما تشعر بالخطر – بأن هجم الذئب مثلا علی قطيع غنم – كيف تتجمع في مكان واحد للأمان من شر الذئب، مع أنها لا تملك العقل وإنما تملك الشعور فحسب تلجأ إلی هذا العمل، فما بالنا نحن البشر أولی الألباب والعقول. فالعقل يحكم أن نتجمع وأن نكون متقاربين عند الأخطار والإنذارات، ونترك الخلافات والنزاعات.
واستطرد قائلا: نحن نعرف أن الأوضاع الراهنة التي يواجهها بلادنا – ولو اتجه خطر نحو إيران سيصيب الجميع – فكنا نرجو في هذه الأوضاع أن لا تطرح المسائل والقضايا المثيرة للخلاف والنزاع، وفي هذه الظروف الحساسة لا بد أن تراعي الدولة قضايا الشعب، والشعب قضايا الدولة، وتراعي الشيعة قضايا السنة والسنة قضايا الشيعة، فإن هناك قضايا جادة وتحديات خطيرة.
نحن نتعجب عند ما نری بعض الأمور ونری الوضع متمائلا إلی المشاكل، وهذا ما يجعلنا قلقين مضطربين. ثم أشار سماحته إلی بعض القضايا التي تسببت في هذه الأيام القلق والاضطراب في المجتمع السني الإيراني قائلا: مع الأسف أسست قناة فضائية باسم "سلام" منذ زمان وهي تدفع بجميع ما عندها إلی الإساءة إلی معقتقدات أهل السنة والجماعة وبث التفرقة بين الأمة الواحدة.
وتابع قائلا: لا شك أن المشرفين علی مثل هذه القنوات سنة كانوا أو شيعة لا يحملون خيرا للأمة الإسلامية ولا نصحا لها، فإن العالم الإسلامي والأمة المسلمة – التي وقعت فريسة الغزو الفكري والإساءات والاستهزاءات – بحاجة ماسة بدل هذه القناة إلی قنوات فضائية تأخذ بها وأقوامها وفرقها وبلادها المتشتتة نحو الوحدة والاتفاق والتضامن والترابط الإسلامي والتعايش السلمي، فإن القناة الناجحة في أهدافها وبرامجها هي التي تقوم بنشاطات في مجال الوحدة والتقارب بين المسلمين بدل التفرقة والعداوة.
يجب علی الكل السعي وراء الاتحاد والاتفاق في هذه الظروف.
وأشار سماحة الشيخ عبدالحميد حفظه الله إلی بعض الحساسيات الزائدة الموجودة في بعض المناطق بالنسبة إلی المساجد وأماكن الصلاة وإقامة الصلاة، قائلا: لو لم يستطع بعضنا في هذه الأوضاع أن يطيق الآخرين أو يطيق صلاة الطرف الآخر فإننا أشقياء إذن.
هذا من ضيق الأفق وقصر النظر أن لا يتحمل طائفة التعليم الديني والمدارس الدينية للطائفة الأخری، ولقد صرح في الدستور أن أتباع المذاهب المختلفة أحرار في شئونهم الدينية والتعليمية، فإذا قام البعض بسلب هذه الحرية أو ممارسات أخری، ولا يتحمل المدارس الدينية، فلن يقبل أحد إدعاءنا إذن في الوحدة والاتفاق، وهذا أمر غير مستحسن في إيران وفي أي بلد إسلامي آخر. ففي بلوشستان ذات الأغلبية السنية أينما يوجد بيت أو بيوت من الشيعة أنشئ لهم مسجد.
يجب أن لا يكون تضايق بالنسبة إلی المساجد وأماكن التعليم والتربية، بل علينا بالتعاون والمساعدة في مثل هذه الأمور، لأن الصلاة والمساجد كلها لله عزوجل وإنها لا تنتمي إلی جماعة دون جماعة، فيجب علی كل مذهب أن يدعو الآخرين إلی أداء الصلاة أينما كانوا في الدوائر والمعامل والجامعات، فلا يوجد في أي مكان من العالم استحقار أو ضيق النظر بالنسبة إلی الصلاة، فإن هدفنا وطريقنا هي طريق الوحدة والتقريب، والحمد لله ما كنا ولن نكون أبدا مساومي وطننا ولا مساومي ديننا إن شاء الله تعالی .
وأردف بالقول: لقد كنا في مختلف الأزمان عندما واجهنا مشاكل لم نقم بالمظاهرات مع أن الناس قاموا بمسيرات لمشاكل أدنی من مشاكلنا بكثير في المناطق الأخری؛ لكن القضايا المذهبية والدينية كما يعرف الجميع قضايا حساسة وحاسمة، فنطالب الدولة أن تنظر بإمعان ودقة في هذه القضايا، ولا ينبغي أن تصدر قرارات في هذه الشؤون بناء علی فكرة أو وجهة نظر البعض، لأننا بني آدم وكل بني آدم خطاءون، فندعوا الجميع إلی الفكرة السليمة والفهم الثاقب وأن يتخذوا تدابير غير مغايرة للدستور .
وأضاف سماحته قائلا: لا يرجو أحد أن لا يجازی شخص ارتكب ما يخالف الدستور، ولكن نرجو أن لا يحضر علماءنا الذين لم يرتكبوا عملا مغايرا للدستور إلی المحاكم توقيرا لشأن العالم وتعظيما للعلم، وعلينا بالتسامح حتی عند صدور الخطاء. هذا ما يرجوه أبناء السنة من الدولة.
وأشار فضيلته إلی اعتقال الشيخ أحمد نائب رئيس جامعة دارالعلوم، قائلا: إن الشيخ احمد وعلماء آخرين من أهل السنة الذين يقضون أيامهم الآن في المعتقل أو السجن، لا شك كما يعرف الجميع لم يصدرمنهم ما يخالف الدستور أو يغاير النظام، ونرجوا أن يرجعوا إلی بيوتهم, كما نرجوا من المسئولين الكبار أن يبحثوا بأنفسهم قضايا أهل السنة، ونرجو من زعيم الثورة أن ينصرف إلی قضايانا، ولكننا دائما نتحسر علی عدم الصلة بيننا وبين المسئولين الكبار في النظام بسبب الموانع والعراقيل الموجودة بيننا وبينهم، ونرجوا أن ترفع هذه الموانع فنطرح عليهم قضايانا مباشرة.

تعليقات