خطبة الجمعة 8 من رجب 1429

خطبة الجمعة 8 من رجب 1429

فضيلة الشيخ عبدالحميد

فضيلة الشيخ عبدالحميد

تطرق سماحة الشيخ عبدالحميد حفظه الله في خطبته يوم الجمعة إلی موضوع «الوسطية والاعتدال»، وكذلك أشار فضيلته إلی قرار المجلس الأعلی للثورة الثقافية في إيران حيث يسمح للحكومة بالتدخّل التامّ في شؤون المدارس الدينية لأهل السنة، وطالب فضيلته رجال الحكومة بإعادة النظر في هذا القرار.

 

بدأ سماحة الشيخ عبدالحميد إمام وخطيب الجمعة لأهل السنة في مدينة زاهدان خطبته يوم الجمعة بتلاوة هذه الآية المباركة: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علی الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً»، ثم توجّه إلی المستمعين قائلاً: الموضوع الذي أريد أن أتكلم حوله في هذه الدقائق اليسيرة هو «الاعتدال والوسطية».
وقال: ديننا دين الاعتدال والوسطية وأمتنا أمة وسط، والإسلام يخالف الإفراط  والتطرّف، والاعتدال من أعظم الأمور، وقد جعل الله تعالی فيه حِكَما عظيمة لا توجد في سائر الصفات والأشياء.
وتابع قائلاً: يوجد الاعتدال والوسطية في الإسلام أكثر من سائر الأديان؛ فلو ألقينا نظرة عابرة إلی الجاهلية قبل الإسلام، نجد أن المشركين كانوا في إفراط وتفريط في جميع المجالات، من العقيدة والأمور الاجتماعية، وقد أصيبوا بالإفراط في حقوق نسوتهم وأولادهم وعبيدهم وإماءهم، وحتی كانوا متشددين علی بهائمهم.
واستطرد قائلاً: كانت الفترة بين سيدنا عيسی عليه الصلاة والسلام وبين الرسول صلی الله عليه وسلم، ستمائة عام وفقاً لرواية سلمان الفارسي التي وردت في صحيح البخاري، ولكن جاء في روايات أخری أن فترة الوحي كانت خمسمائة وسبعين عاماً.
كان بعض علماء النصاری في هذه المدة قد تركوا العيش وتوجهوا إلی الغابات والجبال، واختاروا الرهبانية والعزوبة، وقد أفرطوا في مجال الدين ظناً منهم أن هذه الممارسة تقربهم إلی الله تعالی.
وأضاف: لما جاء الإسلام قضی علی الإفراط والتفريط الموجودين بين اليهود والنصاری، وأصلح التقاليد الجاهلية، ودعی إلی الاعتدال؛ فإن الإسلام يأمرنا أن نعتقد بإله واحد ولا نعبد إلا إياه؛ وكذلك الأحكام المفروضة نجد فيها الوسطية والاعتدال؛ فمن يؤدي خمس صلوات في يوم وليلة فكأنه صلّی خمسين صلاة؛ وأما الزكاة فتجب حصة من أربعين حصة؛ وكذلك الصوم يجب شهر واحد من اثناعشر شهراً؛ والحج يجب في العمر مرة واحدة لمن استطاع إليه سبيلا.
واستطرد قائلاً: قد أوصِينا بالوسطية والاعتدال في جميع الشؤون، كما أوصی لقمان ابنه: «واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير».
وكذلك يقول القرآن: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»، فإنّ أحسن طريق للصحة هو الاعتدال في الأكل والشرب. قال تعالی: «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين».
كان الرسول صلی الله عليه وسلم يواظب أن لا يكون إفراط أو تشدد في أمر العبادة أيضا حيث قال للرهط الثلاثة الذين تقالّوا عبادة النبي عليه الصلاة والسلام: «إنّی لأخشاکم لله و أتقاکم له، لکنی اصوم و افطر، و أصلی و أرقد، و أتزوج ‌النساء، فمن رغب عن سنّتی فلیس منی».
وأردف بالقول: الإفراط والتطرّف يجلب الضرر لمن يبحث عنه ولا يسمح لغيره أن يصل إلی المناصب الحكومية ويريد الحكم لنفسه.
وأضاف سماحته قائلاً: يجب أن نراعي الوسطية في العبادة أيضا بحيث لاننسی ذكر الله وفكرة الآخرة، وكذلك نؤدّي حقوق الأهل والوالدين.
ورد في الحديث: «فإن لربك عليك حقاً وإنّ لنفسك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً وإن لضيفك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه». (أو كما قال عليه الصلاة والسلام)
واستطرد: يجب أن لا نسرف في طبخ الطعام بحيث يفضل عن حاجتنا، ولا ينبغي إلقاء الطعام في المزبلة، فإن هذا الطعام ليس طعاما وسخا غير نظيف بل هو فضل طعام آكل مسلم، وفي مثل هذا الطعام والشراب شفاء.
وتابع فضيلته قائلاً: ينبغي أن نراعي الاعتدال في استخدام الكهرباء والماء والتلفون، ولا نسرف في استخدام هذه النعم، وكذلك ينبغي أن نراعي الاعتدال في كتابة الرسائل حيث نتجنب عن الإطالة حتی تسهل قراءتها، فكانت رسالة النبي عليه الصلاة والسلام إلی هرقل عظيم الروم بألفاظ مختصرة أخرجها الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه:
بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد عبد اللَّه ورسوله إلي هِرَقْلَ عظيم الروم، سلام علي من اتَّبع الهُدَي، أَمَّا بعدُ: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ أسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَك مرتين، فإنْ تَوَليتَ فإنَّمَا عَلَيْكَ أِثمُ الأَريسسيَّينَ و«يا أهل الكتاب تَعالوْا إِلَي كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَْينَنَا وَ بَيْنَكُمْ، أَلا نَعْبُد إلا اللّه وَ لا نُشْرك بَهِ شَْيئًا وَلاَ يَتَّخذَ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابًا منْ دون اللَّه، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسلمونِ».
فكانت سيرته في كتابة الرسالة أنه يكتب اسمه أولا، ثم اسم المرسل إليه، ثم الهدف من الرسالة بشكل واضح ومختصر.
وأضاف: التطرف يجلب الضرر للمرء في جميع المجالات، وإذا تخلّص التطرف إلی حكومة فإنها ستزول ولا تدوم تلك الحكومة، وإذا تمكّن في مرأة فإنها ستخسر حياتها ويكون مصيرها الطلاق.
وأردف سماحته قائلاً: يعيش في إيران وخاصة في محافظة بلوشستان أقوام ومذاهب مختلفة جنبا إلی جنب، فعلی كل قوم ومذهب أن يراعي الآخرين، فلو اقترف أحد من السنة جريمة أو خطأً فهو الخاطي والمذنب، لا كافة أهل السنة، وكذلك لو قام أحد من الشيعة بإثم وجريمة فهو مؤاخذ بجريمته لا كافة الشيعة، وهذا نوع من التطرف أن يؤاخذ أو يجازی أحد بجريمة شخص آخر.
وأضاف: المساجد والمدارس الدينية لأهل السنة أسست بمساعدة هؤلاء الناس وتبرعاتهم، وينبغي أن تبقی هذه المدارس والمساجد تحت رعاية الناس وتبقی علی استقلالها وحريتها، ونحن نرجو من قائد الثورة ومن مراجع الشيعة أن يساعدونا في عدم تدخل الحكومة في شؤون مساجدنا ومدارسنا، وعلی الحكومة أن تراقب المدارس عن بُعد بحيث لا تتبدل هذه المراقبة إلی تدخلات.
وقال فضيلته محذرا من نتائج هذا القرار: يجب أن لا يكون هذا القرار مثل قضية سيدنا سليمان وأصحاب النعاج، حيث قال واحد منهما لسليمان إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب؛ فإن هذه المدارس هي الشيء الوحيد الذي يملكه أهل السنة في إيران، فعلی الحكومة أن لا تأخذ منا هذا المملوك الوحيد
.
واستطرد سماحته قائلاً: نتعاهد مع الحكومة أن لا تنشأ من مدارسنا عداوة ومناوئة للحكومة، ولا نسمح بدخول المتطرفين ومثيري الفتنة والخلاف والمتشددين في هذه المدارس، لأنّ طريقنا هو الاعتدال والوسطية، ونحن نريد أن نتعايش سليماً، والجميع من الشيعة والسنة يعيشون جنباً إلی جنب في هذه البلاد، ونحن نوصي الجميع إلی الاعتدال، ونرجو من الجميع مراعاة هذه الأمور.
وأما قضية التدخّل في شؤون مدارسنا الدينية فإنها من قبيل التدخّل في الشؤون المذهبية، وإن الشؤون المذهبية لها خطورتها واهميتها بين مختلف الطوائف؛ وكما أن هناك مساجد ومدارس خاصة للشيعة يدرسون فيها عقائدهم و مذهبهم، فكذلك نحن السنة أيضاً لنا مساجدنا ومدارسنا الخاصة، وهذه المساجد والمدارس خاصة لكل مذهب لا لجميع المسلمين من الشيعة والسنة، لأن في مدارس السنة تدرس القضايا الخاصة بالسنة، وكذلك تكون الحال في مدارس الشيعة، وينبغي أن تبقی هذه المدارس والمساجد علی حالها.
وتابع قائلاً: نحن نعتقد أن الواجب علی الحكومات السنية عدم التدخّل في شؤون الشيعة، وهذه الحرية المذهبية من الأمور التي اعترفت بها المنظمات الدولية.
نرجو من الشيخ سليماني ممثل ولي الفقيه في هذه المحافظة أن يسعی في حل هذه المشكلة.
وتابع: وأما في مجال الوحدة فنعلن أن الحكومة لو طالبت منا المساعدة أو الدفاع عن هذه البلاد فنحن مستعدون لنضحي بأموالنا وأنفسنا، ولكن الأمور المذهبية تتعلق بالاعتقاد، ولا نسمح لأحد أن يتدخل فيها ولا نتنازل عن هذه الأمور المذهبية قيد شبر.
وفي الأخير حثّ سماحة الشيخ عبدالحميد الجماهير علی المساعدة والمعونات المالية لاستقبال الضيوف في الاجتماع السنوي لأهل السنة في إيران الذي من المقرر عقده في آخر هذا الشهر (رجب).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات