تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة “زاهدان” في خطبته التي ألقاها بالجامع المكي، بعد تلاوة قول الله تعالى “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين”، إلى ضرورة السعي والمجاهدة، قائلا: الاستعداد للمجاهدة والسعي، ثروة كبيرة جعلها الله تعالى في الإنسان، وهذا من كرم الله وفضله على البشر وعلى المجتمع الإنساني حيث أعطاهم نعمة المجاهدة والجد والسعي في الحياة. وأضاف قائلا: كما أن السعي والمجاهدة ضرورة وحاجة للتطور المادي والتقدم في المنافع المادية، ولا أحد يشك في ذلك، بل الجميع متفقون على أن الدنيا وحصول منافعها بحاجة إلى السعي والتضحيات، وكل إنسان ترك المجاهدة والسعي وقال أنا أتوكل في أمر رزقي، الكل ينتقدونه ويعتبرونه إنسانا سفيها أحمق، ويعتبرون فهمه للتوكل خاطئا، لأن السنة الإلهية التي لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا، أن تستخدم هذه الآلات والوسائل والأسباب لكسب الرزق والحصول على منافع الدنيا، ولأجل الحصول للرزق لا بد من الخروج ولابد من العمل والسعي، كذلك للوصول إلى الله تعالى وإلى سعادة الآخرة وللوصول إلى الجنة، كل من قال أني أتوكل على الله، لا يعتبر هذا توكلا، بل سفاهة وحماقة، لأن الشريعة الإسلامية علمتنا السعي والجهاد والعمل المستمر في كافة المجالات الدينية والمادية. قال الله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”، فالإنسان يحصل ويكتسب ما يسعى لأجله. “وأن سعيه سوف يرى”.
وأضاف فضيلته: إن نتائج مساعي الإنسان وجهوده تعرض في الدنيا والآخرة. فاليوم نحن نشاهد نتائج مساعي الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم وأولياء الله تعالى. وقد ذكر القرآن الكريم مساعي الرسول وأصحابه والأنبياء السابقين وأولياء الله تعالى. كم قدم هؤلاء العباد المقربون عند الله من التضحيات والجهود لأجل نصرة دين الله، ثم رأوا ثمرات جهودهم في الدنيا والآخرة.
لقد ذكر القرآن الكريم جهاد نبي الله نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، حيث ألقي في النار وأمر بترك أهله في واد غير ذي زرع.
وتابع قائلا: يوم القيامة أيضا تعرض جهود الإنسان وأعماله التي عملها. يعرض الشرك والظلم والكفر والنفاق وكذلك تعرض الأخلاق والديانة والحسنات. نحن سنحضر في ميدان ياتي فيه سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام بدعوة استمرت أكثر من 950 سنة، ويأتي فيه سيدنا إبراهيم والأنبياء والصالحون والصديقون بأعمالهم العظيمة وجهودهم الكبيرة، وبعباداتهم وطاعاتهم وسعيهم يأتي أناس كانوا سببا لهداية الملايين وسجلت في أعمالهم أجور هداية الآلاف من البشر.
وتابع قائلا: كل ما يملكه الإنسان في ذلك الميدان جهده وسعيه في سبيل الله تعالى من الصلوات الخمسة التي أداها مع الجماعة والزكاة والحج والجهود التي قدمها في سبيل الله تعالى، وحضوره لجماعة الفجر الذي قال عنها القرآن الكريم: “إن قرآن الفجر كان مشهودا”، وتعطيل المحل التجاري وترك الأهل والأولاد عند قيام الجماعة، والتضرع إلى الله تعالى، وكذلك تحمل شدة الحرارة في نهار رمضان، كل هذه تعتبر تضحية ومجاهدة وسببا لإصلاح الإنسان؛ وتعرض نتائج هذه الأعمال في الدنيا والآخرة.
الذي يعبد الله في غرفة مظلمة في ليلة داكنة لن يضيع الله عبادته. قال تعالى: “وأن سعيه سوف يرى”، وسوف يعرف الناس أن هذا الشخص كان إنسانا صالحا وزاهدا.
وتابع قائلا: إعلموا أن الجنة لا تحصل مجانا، ومرضاة الرب تبارك وتعالى ليست مجانا. كل هذا يحصل بالجهاد والمجاهدة، ولابد من تضحية شهوات النفس التي تدعو إلى الاستراحة. لابد من مخالفة النفس. قال الله تعالى: “وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى”. النفس تدعو إلى المحرمات والمعاصي، ولابد من تربيتها على النهج الصحيح، وإن تربية النفس كتربية الفرس، إن أحسنت تربيته تستطيع الانتفاع به في الركوب، فإذا ربيتم النفس وعوّدتموها بالسهر وبالصلاة مع الجماعة وترك الحرام والمعاصي، ستكون هذه النفس مطاعة.
نفس الأولياء والصلحاء هكذا، ولكن نفوسنا التي لم ترب توسوس لفعل المعاصي والذنوب. فيجب المجاهدة في سبيل الله وتحمل المشاق والمصاعب واتباع سيرة الصلحاء. قال الله تبارك وتعالى: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين”.
واستطرد فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: ثم لا بد أن تكون جهودنا ومجاهداتنا للوصول إلى الفلاح والسعادة الأبدية على طريق النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم؛ هناك مجاهدات ورياضات للمرتاضين الهنود وغيرهم من الفرق الباطلة. ولكن هذه المجاهدات كلها باطلة وهي وغيرها كمجاهدات مادية، والجهاد أو الرياضة المقبولة أن تكون على طريق الأنبياء والأولياء الصالحين.
وأشار فضيلة الشيخ في نهاية خطبنه إلى جلسة تكريم خريجي جامعة دار العلوم في الأسبوع القادم، قائلا: هذه الجلسة التي أمامكم كل من يشارك فيها، هم في الحقيقة ضيوف الرحمن، لأجل هذا لا بد من خدمة هؤلاء الضيوف، وهذه فرصة قيمة لأهل هذه المدينة.
لابد من مشاركة الجميع في هذه الجلسة، فهي أكبر جلسة في المنطقة سيلقي فيها كبار العلماء خطبا ومحاضرات قيمة .
ودعا فضيلته الجميع إلى التضحية لأجل الدين قائلا: الأوضاع والظروف متغيرة، ولابد من العمل المزيد، لابد من التضحية في سبيل الله تعالى، بأن نضحي بأموالنا وأولادنا وأهلينا، ونكون من حماة الدين وخدامه، ونضحي بجميع منافعنا الذاتية ومصالحنا المادية لأجل الدين ولأجل الأهداف التي ضحى لها الرسول في بدر وأحد، والأهداف التي ضحى لأجلها الصحابة الكرام في معاركهم ضد الكفر والطغيان.

تعليقات