تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان بعد تلاوة آية “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ”، إلى بيان أهمية تربية الأولاد قائلا: إن المسؤولية التي جعلها الله تعالى علينا بالنسبة إلى الأولاد والجيل القادم والجيل الجديد مسؤولية ثقيلة، وقد خاطبنا في الآية التي تلوتها أمامكم أن نقي أنفسنا وأهلينا من النار. فإن فكرة تربية الأولاد تربية صحيحة مسؤولية تثقيلة على كل أب وأم.
وأضاف فضيلته قائلا: “إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره ، أو ولدا صالحا تركه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا كراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته”. فالأولاد إذا كانوا صالحين فهم أحد أهم الأعمال الصالحة، خاصة دعاء هذا الولد الصالح الذي يدعو به لوالده بعد موته، كما أن دعاء الوالدين بالمغفرة والرحمة لأولادهم من أفضل الأعمال.
وتابع فضيلة الشيخ قائلا: الأولاد الصالحون والكتب العلمية والمصاحف التي ينفق الإنسان في نشرها والعلوم التي يدرسها والمساجد التي يشارك في بنائها بأي وسيلة كانت وغيرها من الأعمال التي يستمر نفعها للناس من الصدقات المستمرة والجارية، كلها أعمال باقية ينتفع بها الإنسان بعد موته، لأجل ذلك يجب علينا أن نهتم بكل ذلك فإننا لا نعلم على أي عمل نستطيع أن نكسب مرضاة الرب تبارك وتعالى.
واستطرد قائلا: كان أهل الجاهلية عندما يولد لواحد منهم يذبح له شاة في اليوم السابع من مولده ثم يمس بشيء من دم الذبيحة على جبين المولود، فجاء الإسلام وأبقى ذبح العقيقة في اليوم السابع للولد، وأنكر مس الدم بجبين المولود؛ ذلك لأن الإسلام لم ينبذ جميع ما كان في الجاهلية من الأعمال، لأن بعض تلك الأعمال قد ورثها أهل الجاهلية من الشرائع السابقة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: “مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى”. كما أنه ينبغي قراءة الأذان في الأذن اليمنى والإقامة في اليسرى، فإن لتلك الكلمات أثر كبير في فطرة الطفل، وإن كان الطفل نائما.
ويجب على الأب أن يختار لإبنه إسما حسنا جيدا. ورد في الحديث الشريف “إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ”.
وليجتنب من وضع الأسماء الأجنبية التي لا يفهم معانيها أو لها معاني قبيحة وغير صحيحة على أولاده.
وأضاف فضيلته مشيرا إلى أن أفضل هدية يقدمها الوالدان لأولادهم التعليم الحسن قائلا: من حقوق الأولاد إكرامهم، فالطفل الصغير الذي لا يملك عقلا إنما يملك نفسا مليئة بأنواع من الصفات من الغضب والغرور والتكبر لذلك فهو بأشد حاجة إلى الإكرام والرفق.
ثم عندما بلغ الطفل إلى سن التكلم يجب أن نعلمه كلمة التوحيد لأول مرة. وسن التعليم للأطفال هي السابعة وقبل هذه السن لا ينبغي إكراه الطفل على التعليم إلا أن يكون تعليما خفيفا، لأن تلك السنوات سنوات يحب فيها الطفل اللعب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ”.
و تابع فضيلته مشيرا إلى أن الأولاد أفضل ما يملكه الإنسان في حياته: يجب على كل واحد الإهتمام بتربية أولاده وتعليمهم، واصحبوا أولادكم البالغين إلى المجالس الدينية والمراكز الدينية ليروا ذلك، ولا تتركوهم للجلساء السيئيين فيفسدوا بمجالستهم ويكونوا سبب عار لكم. وكذلك لا تتركوا أولادكم في المجتمعات الفاسدة، لأنهم يتعرضون للانحراف والفساد، ويتعلمون المفاسد والمعاصي. الأولاد خير ما يملكه الرجل من الثروات، فهل يترك أحد ثروته تضيع وتفسد؟
وأضاف فضيلة الشيخ قائلا: من تربية الأولاد الإهتمام بجميعهم والمساواة بينهم وعدم تفضيل البنين على البنات، وكذلك لا تفضلوا أحد أبنائكم على الآخر.
عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذَا غُلاَمًا، فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَارْجِعْهُ. فإذا كان الأب يرجو أن يحبه جميع أبنائه ويطيعوه ويدعموه فعليه بالمساواة بينهم وعدم تفضيل واحد على آخر. وإن كان يحب ولدا أكثر من غيره فلا يظهر محبته أمام باقي الإخوة.
واستطرد قائلا: من جوانب تربية الأولاد إذا بلغوا سن الزواج الإسراع في تزويجهم وأن لا يكون الآباء متساهلين في هذه القضية، وهي من أهم المسؤوليات على كواهل الآباء أن يهتموا بتزويج أولادهم؛ فالأب مسؤول عن ذلك. ورد في الحديث الشريف “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”. الشريعة أعطتنا مسؤوليات بالنسبة إلى من هو تحت أيدينا. الآباء مسؤولون عن أولادهم، والمرأة مسؤولة عن بيتها وعليها أن تحافظ على ما في البيت ولا تخون زوجها، والرجل أيضا مسؤول عن زوجته بأن تكون معاملتها معها معاملة حسنة.
وأضاف: تربية الأولاد تربية إسلامية صحيحة من أهم وأثقل الواجبات على كواهل الأب والأم، فإن أقام الأب صلواته بالجماعة وأدى الحج ولكن لا يصلى أولاده فهو يحاسب يوم القيامة على ذلك. ويجب الاعتدال في التعامل مع الأولاد فلا يعمل الرفق في كل موضع، ولا ينفع التشدد أيضا دائما مع الأولاد.
وتابع خطيب أهل السنة: من لوازم تربية الأولاد إصلاح البيئة التي يعيشون فيها، فيجب أن نصلح قبل كل شيء بيئة بيوتنا، ولا نجعل بيئة الأسرة مليئة بأحاديث المال والدنيا والمشكلات الاقتصادية والتجارية، بل لا بد من التطرق إلى المسائل الدينية وفضائلها ونكوّن بيئة صحيحة وسالمة.
وأضاف قائلا: لقد بدأت عطلة المدارس والجامعات الحكومية، ينبغي أن نفكر لملأ أوقات فراغهم وننفق في سبيل ذلك، ولا نبالي بالإنفاق في سبيل العلم، وليدرس أولادنا في الجامعات ليكونوا نافعين لمجتمعنا، وليكونوا خبراء وعلماء ومهندسين وأطباء مخلصين نافعين لمجتمعنا.
وأشار فضيلة الشيخ في نهاية خطبته إلى حلول شهر رجب قائلا: نحن في بداية شهر رجب، ورجب من الأشهر المحرمة التي يقوم فيها عباد الله المقربون بالعبادة أكثر في هذا الشهر، وللتوبة في هذا الشهر والاستغفار فيه أجر كبير، والمطلوب أن نغيّر أحوالنا في هذا الشهر بذكر الله أكثر وتلاوة القرآن الكريم.
وتابع قائلا: تنتهي الدراسة في المدارس الدينية في نهاية هذا الشهر، وتعقد جلسات التخرّج أيضا في نهاية هذا الشهر في المدارس الدينية، وجلسة التخرّج لطلبة جامعة دار العلوم بزاهدان هي الجلسة الأخيرة وأهمها أيضا، وستقام في نهاية هذا الشهر في 27 من رجب يوم الخميس، وهذه الجلسة بحاجة إلى أدعيتكم وتبرعاتكم.

تعليقات