هل هناك مساجد لأهل السنة في طهران؟

هل هناك مساجد لأهل السنة في طهران؟

تطرقت صحيفة “فرهيختغان” في جزء من مقالة طويلة نشرتها في نقد تصريحات ومواقف فضيلة الشيخ عبدالحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، إلى قضية مسجد أهل السنة في طهران، وكتبت ما يلي:
«يتحدث الشيخ عبدالحميد في خطبته في صلاة الجمعة عن مسجد لأهل السنة في طهران بطريقة تجعل مستمعيه يظنون أن هناك تمييزًا غير عادل ضد أهل السنة في إيران»!
وأردفت الصحيفة التابعة لجامعة “آزاد” الإسلامية قائلة: «في يونيو من العام الماضي، نشرت وكالة فارس في تقرير إحصائي أن أهل السنة في طهران وضواحيها لديهم 9 مساجد خاصة بهم…».

نود أن نتحقق من مدى صحة ما ورد في هذه المقالة. هل توجد بالفعل مساجد لأهل السنة في طهران، أم أن ما أشار إليه هذا التقرير من “مساجد” لا يعدو أن يكون مجرد مصليات وأماكن مستأجرة تُستخدم لأداء الصلاة فقط؟
يجب أولاً أن نبحث في الفرق بين “المصلى” و”المسجد”، وهل بينهما اختلاف في المفهوم والحكم أم لا. وبالرجوع إلى آراء فقهاء الشيعة وأهل السنة، نجد أن هناك فرقًا واضحًا بين المصلى والمسجد، ولا يصح – فقهيًا – إطلاق لفظ “المسجد” على أي مصلى أو مكان مؤقت يُخصص للصلاة، لأن للمسجد أحكامًا خاصة لا تنطبق على المصلى.
تم التفريق بين المسجد والمصلى في جواب استفتاء من مكتب آية الله “ناصر مکارم شيرازي”، ففي جواب استفتاء بشأن “هل الاعتكاف في غير المساجد الجامعة، مثل مصليات الجامعات، يعتبر مكروهًا؟” ورد ما يلي: «الاعتكاف يجب أن يكون فقط في المساجد الجامعة، والمسجد الجامع هو الذي تقام فيه الجماعة بشكل منتظم، ومن المفضل أن يُتجنب الاعتكاف في المساجد الأخرى والمصليات». (موقع مكتب آية الله مکارم الشيرازي)
ففي هذا الاستفتاء تم التفريق بين حكم المصلى والمسجد.
وفي فقه أهل السنة أيضًا، يختلف المسجد عن المصلى ولكل أحكام مختلفة، ففي مجلة “نداء الإسلام” التي تصدرها جامعة دار العلوم زاهدان، ورد بيان هذا التفريق بين المسجد والمصلى بالعبارة التالية: «يختلف حكم المصلى عن حكم المسجد الشرعي؛ فالمسجد الشرعي هو المكان الذي تم وقفه للأبد، وبعد إقامة الصلاة فيه، يظل ذلك المكان مسجدًا دائمًا، ولا يجوز لأي شخص التصرف فيه، حتى في الجزء العلوي من المسجد لا يمكن استخدامه لعمل آخر. أما المصلى، فهو المكان الذي يُخصص مؤقتًا للصلاة، كما في الصحارى أو في المنازل». (نداء الإسلام، العدد 39-40)
هذا التفسير أيضا يوضح بصراحة الفرق بين المصلى والمسجد.
ويعتقد أهل السنة، كذلك، أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد، ولا يُؤدى في المصلى، وذلك لأن للمسجد أحكامًا خاصة في الشريعة. كما يشترك أهل السنة مع فقهاء الشيعة في القول بأن بعض المعذورين – كالحائض والنفساء – لا يجوز لهم دخول المسجد، في حين يُسمح لهم بدخول المصلى، نظرًا لاختلاف حكمه عن حكم المسجد.
بعد أن اتضح الآن أن المسجد والمصلى لهما أحكام مختلفة، يجب أن نوضح أن ما تطلق عليها “مساجد” في طهران، ليست إلا مصليات مستأجرة من قبل الناس، حيث تُقام فيها الصلاة لفترة معينة ثم يُعاد المكان لصاحبه.
وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “فرهيختغان” تعليقًا على عدد المساجد، قائلة: “في مارس 2020، كتبت لجنة التخطيط لمدارس أهل السنة ردًا على رسالة كان قد وجّهها فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى القيادة، وقالت فيه: «بفضل تعاون النظام الإسلامي، يوجد حوالي 17 ألف مسجد ومصلى لأهل السنة في البلاد»”.
لا شك أن هذا الاستدلال من الصحيفة لا يشكل دليلًا على ادعائها، لأن رد لجنة التخطيط لمدارس أهل السنة لا يتحدث عن عدد المساجد لأهل السنة في طهران، بل عن عدد المساجد والمصليات في جميع أنحاء البلاد.
ولا يخفى على أحد أن لأهل السنة في مناطقهم ذات الأغلبية السنية في إيران مساجد لا يُنكر وجودها أحد. بل حتى في بعض المدن الكبرى مثل مشهد وشيراز، توجد مساجد لأهل السنة. وهذه المساجد ليست محل الخلاف أو النقاش. إنما يدور الحديث هنا حول مسألة وجود مسجد لأهل السنة في طهران الكبرى، التي يزيد عدد سكانها من أهل السنة على مليون نسمة، ومع ذلك لا يوجد فيها مسجد رسمي واحد يُتيح لهم أداء شعائرهم بحرية تامة.
كان موقع “شيعة أون لاين” قد ذكر في تقرير عام ٢٠١٣ عن مصادر موثوقة أن عدد أهل السنة في طهران تجاوز المليون نسمة، وكتب الموقع: «وفقًا لمصادر مطلعة من مركز الإحصاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عدد أهل السنة في طهران يتجاوز المليون».
وأضاف الموقع: «عدد سكان طهران الإجمالي غير محدد بدقة، لكن وفقًا للإحصاءات غير الرسمية، يعيش أكثر من 12 مليون شخص في طهران، مما يعني أن حوالي 10٪ من سكان طهران هم من أهل السنة».
كتب عبد الظاهر سلطاني في كتابه «أهل السنة في إيران، الفرص والتحديات»: لا خلاف في أن طهران تضم عددًا كبيرًا من أهل السنة، لكن الاختلاف يكمن في تقدير هذا العدد. بعضهم يقدره بمليونين، وبعضهم بمليون، وآخرون يعتقدون أن عددهم مليون ونصف، ومع ذلك، يؤكد جميع أهل السنة أن عددهم في طهران لا يقل عن مليون.
ويضيف سلطاني: لكن لم يتم إلى الآن الإعلان عن عدد دقيق من قبل المسؤولين، وجميع هذه الأرقام هي تقديرات من أهل السنة أنفسهم، وفي أي حال، يعتقد أهل السنة أن عددهم في طهران لا يقل عن مليون.
ومع ذلك، يذكر سلطاني أن أهل السنة في طهران ليس لديهم مسجد أو مدرسة أو معهد علمي، رغم وجود حوالي 25 مصلى في المدينة. (أهل السنة في إيران، الفرص والتحديات، ص 93)
وفي مقال سابق لموقع “سني أون لاين” نُشِر: «رغم أن عدد أهل السنة في طهران يتجاوز المليون، فإن هؤلاء لا يملكون حتى مسجدًا واحدًا لأداء الصلاة في طهران، بل يصلون في المنازل المستأجرة، والتي للأسف قد يواجهون فيها أحيانًا ضغوطًا أو منعًا من قبل السلطات». (سني أون لاين)
كما ذكرنا، رغم أن عدد أهل السنة في طهران يتجاوز المليون، فإنهم لا يملكون مسجدًا واحدًا، وما يُسمى بـ “المساجد” على ألسنة المسؤولين، هي في الواقع مصليات وأماكن مستأجرة للصلاة. وإن هذا الموضوع ليس خافيًا على بعض مسؤولي الحكومة الذين يعترفون به من حين لآخر.
فقد ورد في تقرير من وكالة “إرنا”، أن حجت نظري، عضو لجنة الثقافة والشؤون الاجتماعية في مجلس بلدية طهران، صرح في الجلسة السبعين لمجلس مدينة طهران قائلاً: «أحد المطالب المشروعة لأهل السنة في طهران هو بناء مسجد لهم لأداء فرائضهم الدينية».
وأضاف: «في السنوات الأخيرة، تم تجاهل هذا القسم من المواطنين، وحتى اليوم ليس لديهم مسجد لأداء صلاة عيد الفطر».
وأكد نظري: «جميع الأقليات الدينية الأخرى في طهران لديهم على الأقل مكان للعبادة لمماسة طقوسهم الدينية، ولا يضطرون للوقوف في صفوف لعدة ساعات في الشوارع».
وشدد عضو مجلس مدينة طهران: «وفقًا للمبادئ المختلفة في الدستور، مثل المواد 12 و13 التي تعترف بالأديان السماوية والمذاهب المختلفة، ومن أجل وحدة الأمة الإسلامية، نطالب بمتابعة وتقديم الحلول السريعة لإنشاء مكان للعبادة لأهل السنة».
أما “محمد جواد حق شناس”، عضو مجلس مدينة طهران السابق، فقد كتب على تويتر ما يلي: «إن طلب الحصول على مسجد لائق ومناسب لعدد سكان الأكراد والبلوش في طهران ليس طلبًا مبالغًا فيه!».
وأضاف قائلاً: «في حين أننا في شارع 30 تير في طهران نرى مسجدًا وكنيسة وكنيسًا ومعبدًا زرادشتيًا جميعًا في نفس المسافة القريبة، ينبغي أن نكون أكثر رحمة مع إخواننا في الدين (أهل السنة)».
وأكد حق شناس: «ربما كان من الأفضل أن يتم تخصيص بعض المساجد من بين أكثر من 3000 مسجد في طهران، لأهل السنة حتى تتم إزالة الشعور بالتمييز».

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات