أكّد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان في خطبة الجمعة 28 ربيع الثاني 1448 ضرورة إجراء حوار حقيقي على الصعيدين الداخلي والدولي، والاستجابة للمطالب المشروعة للشعب، ووقف الإعدامات، والتوصل إلى حلول عادلة لأزمات الشرق الأوسط، معربًا عن قلقه البالغ إزاء الضغوط الاقتصادية وتخييم شبح الحرب على البلاد.
الضغوط الاقتصادية تفوق طاقة الشعب
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الظروف الصعبة الراهنة واحتمال اندلاع حرب جديدة، قائلا: تُطرح هذه الأيام قضايا عديدة، وتلوح في الأفق بوادر حرب. ومن القضايا الأخرى التي تشغل الأذهان وتثير استياء الشعب بشدة، الضغوط الاقتصادية التي تفوق قدرة المجتمع على تحمّلها. فهناك حقائق صادمة؛ إذ إن كثيرًا من المواطنين لا يجدون حتى الخبز اليابس، ويشقّ عليهم الحصول عليه، فيأكلونه مع الماء والشاي، ولا يملكون القدرة على شراء أي شيء آخر.
وأضاف: يمرّ شعبنا بأيام بالغة الصعوبة. فقد جعل التضخم وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة الوطنية الحياةَ شاقة، وأصاب الركودُ الأسواقَ والأعمالَ التجارية بسبب انعدام القدرة الشرائية لدى الشعب. إن شعبنا وبلادنا يمران بظروف عصيبة، فضلًا عن أننا نواجه تهديد الحرب. وقد خضنا من قبل حربين خلّفتا خسائر فادحة وأضرارًا جسيمة ودمارًا في البنية التحتية، ولا شك أن أي حرب جديدة ستكون مدمّرة أيضًا.
ورأى خطيب أهل السنة في زاهدان أن الحوار على الصعيد الداخلي وكذلك في المحافل الدولية هو أفضل سبيل لإنقاذ الشعب الإيراني، مضيفًا: إن أفضل طريق هو التوصل إلى اتفاق وإجراء حوارات حقيقية وجادة، لا مجرد حوارات شكلية؛ فلا بد من إيجاد سبيل للحيلولة دون اندلاع الحرب.
ضرورة الشفافية بشأن الملف النووي وإعطاء الأولوية لرفع العقوبات
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني، قائلًا: يركّز الخصوم على مسألة إنتاج الأسلحة النووية، في حين يؤكد المسؤولون أنهم لا يعتزمون إنتاج مثل هذه الأسلحة، وهذا ما يريده العالم أيضًا. فإذا لم تكن هناك أمور أخرى خفية وراء الكواليس، فإن الحل يسير؛ إذ ينبغي لنا أن نتحدث بلغة من يخاصموننا ويمارسون الضغوط علينا، وأن نطمئن العالم إلى أننا لا نسعى إلى امتلاك أسلحة نووية. وليت المسؤولين استغلوا هذه الظروف وعملوا على حل القضية النووية في ضوء المطالب الدولية.
وشدّد فضيلته على أن الأولوية القصوى في هذه الظروف ينبغي أن تكون لمصلحة الشعب الإيراني الذي أنهكته المعاناة، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المجمدة. فلا بد أولًا من إعطاء مطالب الشعب الإيراني الأولوية، ثم الانتقال إلى معالجة قضايا الشرق الأوسط.
الحل العادل للقضية الفلسطينية مفتاح استقرار الشرق الأوسط والعالم
وأعرب خطيب أهل السنة في زاهدان عن قلقه إزاء اصطفاف الدول في الشرق الأوسط واتساع رقعة الصراعات إلى ما وراء الأراضي الفلسطينية، قائلًا: إن حل هذه الخلافات يتطلب حكمة وتدبيرًا، حتى لا تتضرر العلاقات التاريخية وحقوق الجوار. أما القضية الثانية التي ينبغي العمل على حلها ضمن الاتفاقات، فهي إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. فمنذ أكثر من سبعين عامًا، تشكّل هذه الخلافات أحد الأسباب الرئيسية لانعدام الأمن. ولا بد من إرساء سلام عادل في منطقة الشرق الأوسط بأسرها، ولا سيما بين إسرائيل والفلسطينيين، بما يضمن حقوق الفلسطينيين ويتيح لهم إقامة دولة مستقلة يقررون فيها مصيرهم بأنفسهم. ونظرًا إلى أن الشرق الأوسط يُعد مركزًا للتجارة العالمية، فإن تحقيق هذا السلام من شأنه أن يعيد الأمن والطمأنينة والاستقرار إلى العالم كله.
الشعب صاحب الفضل والحق؛ فلا تفسحوا المجال للمتطرفين
وتناول فضيلة الشيخ عبد الحميد في جانب آخر من خطبته القضايا الداخلية، قائلًا: ينبغي حل المشكلات الداخلية من خلال الحوار، والاستماع إلى أصوات الشعب، والاستجابة لمطالبهم المشروعة. إن أعظم ثروة تمتلكها هذه الأرض هي الشعب الإيراني المثقف والنبيل. لقد أنعم الله على البلاد بهذه الثروة، وكل شيء في هذا البلد إنما هو ملك لهذا الشعب. فالشعب هو صاحب الفضل على المسؤولين، وهو الذي أوصلكم إلى السلطة؛ وقد كنتم بحاجة إلى أصواته لتأييد النظام، وقد منحكم هذا الشعب أصواته على مدى العقود الماضية. لذا، ينبغي لكم أن تجلسوا مع الشعب وتسعوا إلى كسب رضاهم.
وحذّر فضيلة الشيخ عبد الحميد من إفساح المجال أمام المتطرفين، مضيفًا: لا تصغوا إلى المتشددين حتى لا تواجه البلاد تحديات أكبر. فإذا أُوكلت الصلاحيات إلى خيرة أبناء الوطن ليتوسطوا ويسهموا في حل الخلافات، أمكن حل المشكلات بسهولة. أما إذا اندلعت الحرب، فستُدمَّر البنية التحتية الحيوية، وستتراجع البلاد، التي عادت بالفعل إلى ما كانت عليه قبل عقود، إلى مستويات أشد تراجعًا.
انتقاد تصاعد وتيرة الإعدامات والتأكيد على ضرورة الحوار مع السجناء السياسيين
وانتقد خطيب أهل السنة في زاهدان بشدة اللجوء إلى الإجراءات القسرية في التعامل مع المحتجين، قائلًا: إن سجن الناس وإعدامهم ليسا حلًّا. إن اتساع نطاق الإعدامات التي تُنفَّذ اليوم في البلاد أمر لا سابق له في تاريخ الإسلام والأديان السماوية. وأقول ذلك بدافع الحرص على مصلحة البلاد: إن هذه الإعدامات لا تؤدي إلا إلى توسيع الفجوة بين الشعب والسلطة. فالعنف والإعدام يولّدان البغضاء والأحقاد؛ والعنف لا يولّد إلا العنف. أما الحل، فيكمن في الاستجابة للمطالب المحقّة للطرف الآخر، والإحسان، والرفق، والحوار. وفي ظل هذه الظروف الحرجة، ينبغي لكم أن تتحاوروا مع السجناء السياسيين وأن تقفوا إلى جانب الشعب.
التأكيد على ضرورة الحفاظ على أمن المحافظة
وفي معرض حديثه عن قضايا محافظة سيستان وبلوشستان، شدّد فضيلة الشيخ عبد الحميد على ضرورة الحفاظ على الأمن، قائلًا: إن جميع القوميات والمذاهب في هذه المحافظة تربط بينها أواصر القرابة والعلاقات التاريخية. وينبغي الحفاظ على هذه الأخوة. إن أمن الطرق والمدن وسائر أبناء المحافظة الأعزاء أمر بالغ الأهمية، وعلى الجميع أن يبذلوا جهودهم للمحافظة عليه.
المطالبة بالحصول على حصة مياه نهر هيرمند من أفغانستان
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى بداية الموسم الزراعي وتكرار موجات الجفاف في منطقة سيستان، قائلًا: إننا نتوقع من الحكومة الإسلامية في أفغانستان إطلاق المياه المحتجزة خلف السدود، لتصل إلى سيستان ونيمروز. فأبناء هاتين المنطقتين إخوة وأقارب. وإذ نشكر الحكومة الأفغانية على تعاونها السابق الذي أسهم في وصول المياه إلى خزانات سيستان، فإننا نأمل أن تمتلئ السدود بمياه الأمطار التي ينزلها الله برحمته، وأن تتدفق المياه إلى المنطقة خلال هذا الموسم.
وأضاف: نظرًا إلى بداية الموسم الزراعي، ينتظر سكان سيستان ونيمروز فتح السدود وجريان المياه.
الثبات على الحق والصراط المستقيم حتى آخر العمر
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، في جانب آخر من خطبته، ضرورة الثبات على طريق الحق، قائلًا: إن الله تعالى يريد منا أن نثبت على الحق والصراط المستقيم حتى آخر حياتنا، وألا نحيد عنه طلبًا للمصالح الدنيوية؛ فذلك سبيل نيل رضا الله تعالى والفوز والنجاح.
التقوى وملازمة الصادقين ركيزتان للسعادة والنجاة
وأضاف خطيب الجمعة في زاهدان: يقول الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، مخاطبًا المؤمنين بأن يتقوا الله ويلزموا الصادقين. والمقصود بالصادقين في هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، الذين تحمّلوا في غزوة تبوك شدة الحر، وبُعد الطريق، ونقص الإمكانات، وسائر المشاق، وثبتوا على الحق. فقد رافق الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، وشاركوا في الجهاد.
وأوضح قائلًا: إن تقوى الله أساس الخير والنجاة والسعادة، والصادقون هم أهل الحق الذين يسيرون على الصراط المستقيم، وملازمة أهل الحق من مظاهر التقوى.
وأكد كذلك: إن الالتزام بالتقوى وملازمة أهل الحق ضمان للفوز والسعادة. فإذا اتقينا الله والتزمنا طريق القرآن والسنة، وحرصنا على أن تتوافق عباداتنا وأخلاقنا مع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإننا نكون قد سلكنا طريق الحق ولازمنا الصادقين.
الدين منظومة متكاملة من العقائد والعبادات والأخلاق والأحكام، والعمل بها جميعًا سبيل إلى النجاة
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: إن سعادتنا وفلاحنا يكمنان في اتباع طريق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأدّوا الفرائض، وتحلّوا بالرحمة في حياتكم، ولا تضيعوا حقوق الآخرين، والتزموا الصدق.
وأضاف: إن الدين الذي يخلو من هذه القيم الأخلاقية والعبادات لا قيمة له. فمن لا يراعي حقوق الناس، ولا يؤدي مهر زوجته، ولا يحفظ حقوق جيرانه ووالديه، ويسفك الدم الحرام، ويرتكب الجرائم والابتزاز والاحتيال، ثم يظن أنه متدين، فإنه يرتكب خطأ فادحًا؛ فمثل هذا التدين لن يكون سببًا في نجاته أبدًا.
وتابع قائلًا: الدين منظومة متكاملة تشمل العقائد والعبادات والأحكام والأخلاق. فتمسّكوا بالدين تمسّكًا راسخًا، واعملوا بأحكامه وتعاليمه كلها.
العلم أساس النهوض والتقدم في الدنيا والآخرة
وفي ختام خطبته، أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى مكانة العلم وعلاقته بتقدم المجتمعات، قائلًا: إن طلب العلم أمر حيوي بالغ الأهمية. فالمعارف الحديثة والعلوم الدينية أساس التقدم في الدنيا والآخرة، وسبب للنهوض والرقي والازدهار. لذا، اهتموا بتعليم أبنائكم، حتى يكتسبوا العلم والمعرفة والتخصص والمهارات اللازمة.

تعليقات