الأزمة المالية وليدة النظام الربوي في العالم

الأزمة المالية وليدة النظام الربوي في العالم

Image
لم يخل التاريخ من ذكر مجاعات وقحوط وخسائرعظيمة  في المال والحرث والنسل في أنحاء هذه المعمورة ولكنها  لم تكن إلا في بلد دون بلد أو مكان دون مكان أو سنة دون سنة، أو كانت جراء حوادث وبلايا سماوية تزال بعد انتظار أمد بعيد أو غيربعيد، وفي تعبير أرخص إن ما شهده البشر في التاريخ من المشاكل في المال والحرث والنسل، وما شهده من المجاعات والغلاء والبلاء، كانت مشاكل بسيطةغير شاملة تبلغ من الخطورة إلى حد تتحدى البشر من أقصى الأرض إلى أقصاها، لذلك نتجرأ بالقول أن الأزمة المالية الحديثة التي شغلت أذهان البشرفي العالم  هي أزمة وحيدة في نوعها فريدة في شموليتها، فليست منحصرة مستهدفة لدولة دون دولة أو لبلد دون بلد أو لقارة دون قارة، وهي غامضة معقدة في أسبابها وعللها للذين لايهمهم إلا جمع المال وإدخاره بأي وسيلة ممكنة  خطرت بأذهانهم.

إننا كأمة مسلمة ملتزمة بأصول وضوابط إسلامية وشرعية ومتقيدة بمجموعة من الأصول الأخلاقية في اقتصادنا ومعاملاتنا، بإمكاننا أن ندرك بسهولة الأسباب أو السبب الرئيسي التي ساعدت على تكون هذه الأزمة ونشأتها. تأتي قضية الأزمة المالية حسب أقوال الغالبية من خبراء الاقتصاد جراء  أزمة الرهون العقارية التي ظهرت على السطح في العام 2007  نتيجة  فشل ملايين المقترضين لشراء مساكن وعقارات في الولايات المتحدة في تسديد ديونهم الربوية للبنوك. وأدى ذلك إلى حدوث هزة قوية للاقتصاد الأمريكي لأول مرة في تاريخ هذه البلاد، ووصلت تبعاتها إلى اقتصادات أوروبا وآسيا، وأطاحت  في مسيرها بعدد كبير من كبريات البنوك والمؤسسات المالية العالمية. ولم تعد الأزمة الأمريكية الحالية جزئية تقتصر على العقارات بل أصبحت شاملة تؤثر مباشرة على الاستهلاك الفردي الذي يشكل ثلاثة أرباع الاقتصاد الأمريكي.

يمكن القول إن منتصف شهر سبتمبر/أيلول الماضي شهدت الولايات المتحدة تفجر الأزمة المالية    لدرجة أن المحللين الاقتصاديين والسياسيين اعتبروا بداية الأسبوع الثالث في هذا الشهر "أسبوعا داميا" وتاريخيا للاقتصاد الأمريكي انهارت فيه مؤسسات مالية ضخمة، بعد سنوات طويلة من النجاح، واضطرت مؤسسات أخرى للاندماج خشية السقوط، في حين تواصل المد الزلزالي الاقتصادي ليطيح بمؤسسات مالية كبرى في أوروبا وآسيا باعتباره نتيجة محتومة لارتباطها الاستثماري بالسوق المالية الأمريكية. فراحت ضحية هذه الأزمة مؤسسات بارزة مثل "مؤسسة واشنطن ميوتشوال للخدمات المالية"  أكبر الصناديق الأمريكية العاملة في مجال الادخار والإقراض  لمجموعة "جي بي مورغان" المصرفية العملاقة حيث بيعت  بـ 1.9 مليار دولار.
وبنك الاستثمار الأمريكي (ليمان برادرز) يعلن عن إفلاسه بعد فشل جهود المسؤولين الأمريكيين في وزارة الخزانة والاحتياطي الاتحادي الأمريكي لإنقاذ البنك.
وكذلك بنك "ميريل لينش" أحد البنوك الاستثمارية الكبرى في الولايات المتحدة اضظر لقبول عرض شراء من "بنك أوف أميركا" خشية تعرضه للإفلاس.
والمجموعة المصرفية والتأمين البلجيكية الهولندية (فورتيس) انهارت في البورصة بسبب شكوك بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. و بنك "واكوفيا" رابع أكبر مصرف في الولايات المتحدة بيع لمؤسسة "سيتي غروب" المصرفية الأمريكية ضمن موجة الاندماجات في السوق الأمريكية لمواجهة تبعات الأزمة المالية.  ومجموعة كبيرة من البنوك والمؤسسات البارزة إما بيعت أو اندمجت أو تعرضت للإفلاس والفشل في تلبية حاجاتها  في هذه المدة.

من ثم إن المال والمادة أول ما يهم الرأسماليين، فلم تفتهم الفرصة من تقديم حلول عاجلة ومستعجلة لمكافحة الأزمة وتهدئة الزلزال الإقتصادي، فجاءت البنوك المركزية في مجموعة الاقتصادات الرئيسية في العالم، ومنها البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان، وسخت  على ضخ 180 مليار دولار في الأسواق عن طريق زيادة مشترياتها من سندات الخزانة الأمريكية. ومن جانب آخر وافقت  عشرة مصارف دولية على إنشاء صندوق للسيولة برأسمال 70 مليار دولار لمواجهة أكثر حاجاتها إلحاحا، كماأعلنت المصارف المركزية موافقتها على فتح مجالات التسليف.  مع ذلك كله قال الرئيس الأمريكي السابق  جورج بوش: "الاقتصاد الأمريكي في خطر، وقطاعات رئيسية في النظام المالي الأمريكي مهددة بالإغلاق". ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون: "الاستهتار داخل الولايات المتحدة بالنظام المالي هو الذي أدى إلى أزمة الائتمان المالي التي يعاني منها العالم". وكذلك قال الرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي الأمريكي آلان غرينسبان: "الأزمة هي الأخطر منذ قرن، ولم تنته بعد وستستغرق مزيدا من الوقت، وأتوقع انهيار العديد من المؤسسات المالية الكبرى بسبب القسوة الاستثنائية لهذه الأزمة". قال  وزير المالية الألماني بير شتاينبروك: "الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية الأزمة المالية العالمية الراهنة بسبب الحملة الأنغلوساكسونية التي تهدف لتحقيق أرباح كبيرة، ومكافآت هائلة للمصرفيين وكبار مديري الشركات، والأزمة ستخلف أثارا عميقة وستحدث تحولات في النظام المالي العالمي". ولم تفلح مئات مليارات الدولارات الموضوعة في أسواق المال العالمية كحد لأزمة الرهون العقارية التي ظلت تعتمل تحت السطح حتى تطورت إلى أزمة مالية عالمية، ولأن  هذه الأزمات المالية ليست ناجمة من فراغ سلعة أوعملة في الأسواق يمكن تداركها بضخ مجموعة من الدولارات أوغيرها من العملات، بل هي أزمة  تتفاعل مع الوضع الاقتصادي الكلي الذي يعاني في العالم بصفة عامة وفي الولايات المتحدة بشكل خاص من مشاكل خطيرة في مقدمتها عجز الميزانية واختلال الميزان التجاري وتفاقم المديونية الخاصة والعامة إضافة إلى الارتفاع المستمر لمؤشرات البطالة والتضخم والفقر وغير ذلك، ومعظم هذه المشاكل، خاصة اختلال الميزان التجاري وتفاقم المديونية ليست إلا ناتجة من نوعية النظام الاقتصادي والتجاري في العالم  وهو النظام المؤسس على استجلاب المزيد من الأرباح دون تقيد بأي أصل من الأصول الإنسانية والأخلاقية في جمع المال وتوفيره في حسابات الأفراد وإعطاء الحرية التامة لبني البشر في معاملاتهم وتجاراتهم، وهوالنظام المؤسس على المعاملات الربوية التي قد محقها الله عزوجل في هذه المرة ليرى البشرالذي تعود منذ قرن تام أن لا يضع عملة أو نقدا في جيبه أوحسابه إلا وقد تداول في معاملة ربوية بسب فشو البنوك في العالم كله. لأجل ذلك صرح الكثير من المسؤولين الأمريكيين خشيتهم من أن تطيح هذه الأزمة بنظم اقتصادية عالمية وأن تصل تداعياتها إلى الكثير من أنحاء العالم.

أمام هذا الوضع المالي والاقتصادي الأمريكي المتأزم يتعين على الشركات والحكومات الإسلامية  والدول العربية بصفة خاصة اتخاذ إجراءات سريعة للحفاظ على مصالحهم الحيوية، في مقدمتها سحب استثماراتهم من بنوك الولايات المتحدة وسائرالدول الأروبية. وقد أصبح من اللازم على بلدان مجلس التعاون الخليجي التخلي عن الدولار كمثبت لقيم عملاتها المحلية، وكذلك التنحي من النظام الربوي السائد الذي أدى إلى هذه الأزمة.

الكاتب: أسعد البلوشي

  

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مزيد من المقالات