انتقد فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة ٥ جمادى الثانية ١٤٤٨، قرار الحكومة في جمهورية أذربيجان بمنع ارتداء الحجاب والخمار في مدارس البلاد، معتبرًا إياه «مخالفًا لمبادئ الديمقراطية»، وداعيًا إلى إلغائه والتراجع عنه.
وأضاف فضيلة الشيخ قائلًا: في جمهورية أذربيجان، التي يشكّل المسلمون أكثر من 94 بالمئة من سكانها، ترتدي كثير من النساء المسلمات الحجاب والخمار، في حين لا ترتديه أخريات. وقد كانت الحرية مكفولة في هذا البلد، وكان ارتداء الحجاب اختياريًا، إلا أنه في الآونة الأخيرة، وبناءً على توجيه صادر عن رئيس الجمهورية، أصبح خلع الخمار إلزاميًا على الطالبات والمعلمات، وطُلب منهن دخول الفصول الدراسية من دونه.
وأضاف فضيلته منتقدًا هذا القرار: لقد أثار تنفيذ هذا القرار احتجاجات في جمهورية أذربيجان. فحتى لو لم يكن قرار منع الحجاب مخالفاً لقانون جمهورية أذربيجان، فإن أغلبية سكان البلاد مسلمون، وحتى لو كان المسلمون أقلية فيها، فليس لأي حكومة الحق في إصدار قرار يسلب الناس حريتهم.
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلًا: إن سلب حرية الناس يتعارض مع مبادئ الديمقراطية – التي تدّعي الحكومة الأذربيجانية الالتزام بها-، على الرغم من أن الديمقراطية غائبة في كثير من هذه البلدان، ولا يُرفع شعارها إلا ادعاءً لكسب الشعبية على الصعيد العالمي. ولذا، فمن الأفضل للسيد إلهام علييف، رئيس جمهورية أذربيجان، أن يراعي مشاعر شعب بلاده، وأن يسحب قراره ويعدّله؛ فهذا خير للحكم والبلاد في أذربيجان.
سياسة الإكراه مآلها الفشل وتؤدي إلى نتائج عكسية
وأردف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلًا: إن سياسة «الإكراه» سياسة فاشلة، موضحًا أن كل محاولات الاعتراض على زيّ المرأة وحجابها ومنعهما قد باءت بالفشل. ففي جمهورية أذربيجان، على سبيل المثال، أسفر القرار الحكومي الأخير عن نتيجة عكسية؛ إذ بادرت كثير من النساء والطالبات والمعلمات اللواتي لم يكنّ يرتدين الخمار من قبل إلى ارتدائه احتجاجًا على هذا القرار.
وأضاف فضيلته: لقد اختبرنا الأمر نفسه في بلدنا أيضًا، حيث يشكّل المسلمون أغلبية السكان؛ فعندما فُرض الحجاب وأُسيء التعامل مع النساء غير المحجبات بأساليب قاسية ومهينة، جاءت السياسة بنتائج عكسية، وتضرّر بلدنا من جراء ذلك النهج والتوجه.
الناس لا يخضعون للقوة والأوامر القسرية؛ والحل في الاستدلال والحكمة واحترام الحقوق
واستطرد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلًا: لقد أكدنا مرارًا من على هذا المنبر أن الحل الأمثل يكمن في اعتماد الحكمة وحسن التدبير، واحترام المرأة، والاستماع إلى مطالب النساء والرجال المعترضين، والابتعاد عن فرض الأوامر القسرية؛ فالناس لا يقبلون الأوامر القسرية من أيّ كان، سواء أكان حاكمًا أم قاضيًا أم عالمًا أم شخصيةً ذات مكانة اجتماعية. كما أنهم لا يرضخون للضغوط، وإنما ما يجدي نفعًا حقًا هو الاستدلال والمنطق وحسن التدبير والحكمة والاحترام ومراعاة الحقوق.
قتل النساء يخالف ثقافة المنطقة؛ وحرمة المرأة واجبة الصون مهما كان انتماؤها
وفي جانب آخر من خطبة الجمعة، أعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن قلقه إزاء تصاعد الانفلات الأمني في محافظة سيستان وبلوشستان، معتبرًا مقتل امرأتين خلال هذه الأحداث الأمنية أمرًا مخالفًا لثقافة المنطقة، وقال: للأسف، تزايد الانفلات الأمني في المحافظة، وقُتلت امرأتان أيضًا خلال هذه الأحداث.
وأشار فضيلته إلى ما كان يسود المنطقة في الماضي من أعراف تحفظ للمرأة حرمتها، قائلًا: كان من أعراف المنطقة أنه لو رأى أحدهم قاتل أبيه وأراد الثأر منه، لامتنع عن ذلك احترامًا للمرأة التي ترافقه. بل إن قطاع الطرق أنفسهم كانوا يمتنعون عن سرقة أموال القوافل إذا رأوا فيها امرأة. لكن، للأسف، بلغ اللصوص اليوم من الوقاحة حدًّا يجعلهم ينتزعون حليّ النساء ومجوهراتهن بالقوة.
وأكد فضيلته قائلًا: عندما نرى امرأة، ينبغي أن نتذكر أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا، فالمرأة رمز للعطف والرأفة. وقد أوصيتُ السلطات القضائية مرارًا بعدم إعدام النساء، وعدم الزج بالناشطات السياسيات في السجون، والعمل على الإفراج عنهن. ولذلك، فإننا نوصي الجميع بضرورة صون حرمة النساء، بصرف النظر عن الجهة التي ينتمين إليها.
القرآن والإسلام صالحان للاتِّباع إلى يوم القيامة
وأشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، في القسم الأول من خطبة الجمعة، إلى أثر أعمال البشر والأقوام والشعوب في تغيير مصيرهم ونيل النعم أو حرمانهم منها.
وتابع قائلا: لقد وضع الله تعالى في القرآن إجابةً عن كافة تساؤلات البشر، والقرآن كتاب هادٍ إلى يوم القيامة، وأحكامه وتوجيهاته قابلة للتنفيذ حتى قيام الساعة. كما أن أوامر النبي ﷺ وتوجيهاته وسيرته العطرة صالحة للاتباع إلى يوم القيامة.
وأضاف فضيلته: إن الأديان السماوية السابقة كانت مرتبطة بمراحل تاريخية معينة، وقد نُسخت شرائعها ببعثة النبي ﷺ، والدين المقبول عند الله تعالى اليوم هو الإسلام. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الشرائع لها تاريخ طويل، فإن الإسلام، بوصفه الدين الخاتم، والنبي محمد ﷺ، بوصفه خاتم الأنبياء، يجسّدان الهداية الأخيرة التي تجمع محاسن الأديان والأنبياء السابقين، ولذلك فالإسلام هو الدين الجدير بالاتباع إلى يوم القيامة، والإسلام دين الوسطية والاعتدال، ومكمّلٌ للأديان السابقة.
الطبيعة تتحرك اليوم عكس مصالح الإنسان
وفي سياق متصل، أشار خطيب أهل السنة في زاهدان إلى بعض الآفات والابتلاءات التي يواجهها العالم، ومنها التغيرات المناخية، قائلًا: إن تعاقب الليل والنهار وتناوب الفصول إنما جُعلا لتحقيق مصالح الإنسان، غير أن الطبيعة تسير اليوم على غير عادتها وبما يتعارض مع مصالح البشر؛ فقد ارتفعت درجات حرارة الأرض، وأخذت الغابات التي تعود بالنفع على الإنسان تحترق، كما يواجه العالم موجات من الحر والبرد الشديدين وغير المألوفين.
وأضاف فضيلته: لقد اندلعت حروب أزهقت أرواحًا وألقت بظلالها على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط. ففي الماضي، كان الناس، ولا سيما المسلمون، يولون بيت المقدس وفلسطين اهتمامًا بالغًا ويشعرون بحساسية كبيرة تجاه ما يجري فيهما، أما اليوم فقد باتوا يقتتلون فيما بينهم. والبشرية جمعاء تشهد هذه المشكلات، لكنها عجزت عن احتوائها والسيطرة عليها.
المعصية والطغيان سبب للحرمان من النعمة
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد مستندا إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، إلى بيان أسباب هذه الآفات والمشكلات قائلاً: ينبغي لنا دراسة أسباب هذه الأحداث في ضوء توجيهات القرآن. والحقيقة هي أن الله تعالى إنما ينزع النعمة والقوة والعزة من قوم إذا ما أُصيبوا ببطر النعمة وظلموا الآخرين بدلاً من إقامة العدل.
وبيّن فضيلته أن القرآن الكريم يقص علينا تاريخ الأمم السابقة، وكيف أنهم عندما طغَوا وتجبروا سلبهم الله تعالى الأمن وابتلاهم بالآفات.
وأوضح قائلاً: لقد ضرب الله تعالى مثلاً في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، حيث صور حالة قرية كانت تعيش في أمن واستقرار وتتقلب في شتى النعم، لكنها قابلت ذلك بالجحود والمعصية والإسراف، فألبسها الله لباس الجوع والخوف جزاءً بما كانوا يصنعون.
مصير كل شعب وحكومة بيدها؛ والغرور سبب الهلاك
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان قائلًا: إن مصير الشعوب والحكومات بأيديها؛ فإذا أساءت استخدام الحرية والقوة الممنوحتين لها، سلبها الله تعالى تلك النعم، أما إذا سلكت الطريق القويم والصحيح، استمرت النعم وتوالت عليها.
وأردف قائلًا: إن الغرور والتعالي، المتمثلين في اعتداد الإنسان بنفسه وحدها ورفضه للآخرين، يقودان إلى الهلاك؛ فالغرور يحول دون تقبّل الإنسان نصائح الوعّاظ وأهل الخير.
حلّ المشكلات يبدأ بالتوبة وإصلاح العيوب
وفي ختام خطبته، أكد فضيلة الشيخ عبد الحميد ضرورة التوبة والإنابة إلى الله تعالى لمعالجة الأزمات المختلفة، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال: عندما يواجه الناس الشدائد والمصاعب في حياتهم، فعليهم أن يتضرعوا إلى الله تعالى. وإذا غابت التوبة والتضرع، قست القلوب وتحجّرت. فلو تبنا جميعًا وتضرعنا إلى الله، لأعاننا وأزال عن مجتمعنا أزماتٍ مثل ركود الأسواق والفقر والجوع والقحط والأمراض.
وشدد فضيلته في الختام قائلًا: إن خير علاج لمختلف المشكلات يكمن في أن نتوب جميعًا ونستغفر الله، وأن نعمل على إصلاح عيوبنا، ونؤدي حقوق الله وحقوق عباده، لعلّ لطف الله تعالى، مدبّر هذا الكون ومسيّره، يشملنا وتتغير أحوالنا نحو الأفضل.