- سني أون لاین - https://sunnionline.us/arabic -

في “الاتفاق العادل” مصلحة البلد والشعب

وصف فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة (21 ذي القعدة 1447)، الأوضاع المعيشية التي يواجهها الشعب بأنها «تفوق التصور»، مؤكدا أن أهم مسؤولية تقع على عاتق القائمين على شؤون البلاد هي «حماية الشعب والحفاظ على رأس المال الوطني». كما شدد فضيلته على ضرورة بذل الجهود للوصول إلى «اتفاق عادل» مع الطرف المقابل، داعيا في الوقت ذاته إلى «تجنب إثارة مشاعر شعوب العالم ضد البلد والشعب في إيران».

البعض من المسؤولين في البلاد يتحدثون أيضًا عن “اتفاق عادل”
قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: لقد دعوتُ في السابق، عبر تغريدة، إلى الوصول إلى «اتفاق عادل»، وقد أثار ذلك استياء البعض، لكن الحمد لله، نرى اليوم أن بعض كبار المسؤولين في البلاد يتحدثون هم أيضا عن ضرورة التوصل إلى «اتفاق عادل»، وأصبحت قضية الاتفاق مطروحة على الساحة.
وأضاف: لقد حذّرتُ قبل اندلاع الحرب من عواقبها وتداعياتها على البلاد والشعب، وشددتُ على أهمية التفاوض والسعي إلى الاتفاق، وقلت إن القضايا السياسية تحتاج إلى حكمة وتكتيك.
وتابع قائلا: ولو جرى التوصل إلى اتفاق خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، لكانت الخسائر والأضرار أقل بكثير، ولما تعرضت الصناعة النووية، التي تُعد من أهم رؤوس الأموال الوطنية وقد أُنفقت عليها تكاليف باهظة، لهذا القدر من التدمير، كما كنا سنتجنب فقدان عدد من الشخصيات البارزة والقادة العسكريين.

أهم واجبات المسؤولين حماية الشعب ورأس المال الوطني
وأضاف خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: إن رسالتنا إلى المسؤولين هي أنه حتى لو كنتم ترون أنفسكم على حق، فإن المطالبة بالحقوق ينبغي أن تكون ببصيرة وتدبير وفي التوقيت المناسب. فالمرحلة الحالية ليست ظرفا مناسبا للمطالبة بكل الحقوق دفعة واحدة، ولذلك قد يكون من الحكمة التراجع خطوة من أجل التقدم خطوات في المستقبل، والتعامل مع القضايا السياسية بمنطق السياسة والتكتيك.
وأكد فضيلته ضرورة الابتعاد عن الانفعالات والتعصبات، والتركيز على حماية البلاد ورأس المال الوطني، قائلا: إن أهم واجبات المسؤولين هي حماية الشعب والحفاظ على رأس المال الوطني لإيران.
وأضاف: لقد تحمل الشعب الإيراني العقوبات والحصار طوال عشرين عاما، وإذا تم التوصل إلى اتفاق، فإن هذه العقوبات قد تُرفع، كما يمكن أن تتحقق للبلاد مكاسب ومصالح أخرى. ولذلك، فإنني أؤكد أن «الاتفاق العادل» يصب في مصلحة البلاد والشعب الإيراني.

النبي ﷺ قبل في صلح الحديبية شروطا صعبة لتجنب الحرب وسفك الدماء
وفي سياق حديثه، استشهد فضيلة الشيخ عبد الحميد بواقعة «صلح الحديبية» وما ترتب عليها من مكاسب للمسلمين، قائلا: إن رسول الله ﷺ والصحابة جاؤوا قاصدين زيارة بيت الله الحرام، وكانوا على مقربة من الكعبة، إلا أن المشركين منعوهم من الدخول.
وأضاف: كان بعض الصحابة يرون أن بإمكان المسلمين قتال المشركين وإزاحتهم عن الطريق، غير أن النبي ﷺ، حرصا على منع الحرب والدمار وإراقة الدماء، اختار التفاوض، وقبل شروطا شاقة وجائرة فرضها الطرف الآخر، حتى تم التوصل إلى اتفاق صلح بين المسلمين والمشركين لمدة عشر سنوات.
وأشار فضيلته إلى أن منع الحرب وسفك الدماء عبر الاتفاق يُعد، وفق المنطق السياسي والعلاقات الدولية، نوعا من الحكمة والتفوق، قائلا: إن من ينجح عبر الاتفاق في تجنيب الشعوب الحروب والدماء، فإنه يحقق مكسبا كبيرا ويحظى بتقدير الناس.
واستطرد فضيلته قائلاً: لم يقل النبي ﷺ في صلح الحديبية إنني أنا على الحق وأنتم (المشركون) على الباطل، وإن الكعبة حق لجميع البشر ولا يحق لكم منعنا منها. بل إنه قبل شروط المشركين، ثم عاد مع الصحابة إلى المدينة المنوّرة دون زيارة الكعبة، وفي أثناء الطريق نزلت آية تقول إنكم يا معاشر المسلمين قد وصلتم إلى «الفتح المبين»، لأنكم منعتم الحرب والدماء، وأزلتم أيضًا العقبة التي كانت تحول دون الدعوة إلى الإسلام وانتشاره، وبعد سنتين من توقيع وثيقة الصلح، وبسبب نقض المشركين للعهد، هاجم المسلمون مكة وفتحوها دون حربٍ وسفك دماء، وتعاملوا مع خصومهم بالعفو والتسامح. ولذلك فنحن المسلمون جميعا مطالبون بالاقتداء برسول الله ﷺ ومنهجه.

الشجاع الحقيقي هو من يستطيع إدارة الأزمات
وأشار خطيب أهل السنة في زاهدان إلى أن الشجاعة الحقيقية لا تتمثل، من وجهة نظره، في الانتصار العسكري، بل في القدرة على إدارة الأزمات بحكمة وتدبير. وقال: إن الشجاع الحقيقي ليس من يكسب الحرب، وإنما من يستطيع احتواء الأزمات ومنع تفاقمها.
وأضاف أن القيادة الحقيقية في الظروف الراهنة تتجلى في أمرين أساسيين: أولًا، الحيلولة دون اندلاع الحرب ومنع وقوع مزيد من الخسائر على البلاد والشعب. وثانيًا، الانحناء أمام الشعب والإصغاء إلى مطالبه، والتعامل معها بجدية، ووضع النفس في خدمة المواطنين.
وأكد فضيلته أن هذا النهج هو الأقرب إلى تحقيق رضا الله تعالى وكسب ثقة الشعب ورضاه.

لا تُحرِّكوا مشاعر شعوب العالم
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد، في استكمال حديثه، على ضرورة «الابتعاد عن إثارة مشاعر شعوب العالم»، قائلا: إن نصيحتي الصادقة للمسؤولين هي تجنب أي أعمال أو مواقف من شأنها تأليب الرأي العام العالمي أو إثارة مشاعر الشعوب ضد إيران.
وأضاف: ينبغي اتخاذ خطوات تعزز الثقة بالشعب الإيراني، لا أن تؤدي إلى اتساع دائرة انعدام الثقة بنا على المستوى الدولي.

لا بد من إنهاء إغلاق مضيق هرمز ورفع الحصار البحري معًا
وفي سياق حديثه، دعا خطيب أهل السنة في زاهدان إلى «إعادة فتح مضيق هرمز» و«رفع الحصار البحري»، قائلا: إن نصيحتي للطرفين الإيراني والأمريكي هي العمل، في الوقت نفسه، على إنهاء إغلاق مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، فمثل هذه الخطوات لا تحتاج إلى مفاوضات معقدة.
وأشار فضيلته إلى قاعدة فقهية تقول: «القديم يُترك على قدمه»، موضحا أن ما جرى العمل به واستقر عليه العرف منذ زمن طويل ينبغي الحفاظ عليه ما دام قائما على طبيعته المعتادة.
وأضاف: إن الاستفادة من البحار والممرات البحرية حق مشترك للبشرية، مهما كان موقعها ضمن حدود الدول، ولذلك لا ينبغي تعطيل هذه المنافع أو حرمان الناس منها.

أريد الخير للوطن والشعب
وفي استكمال خطابه، قال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إنني من محبّي إيران وشعبها، وما أقوله إنما هو بدافع الشفقة والمصلحة العامة. فالشعب الإيراني، الذي له مكانته، وهو صاحب البلاد، قد عبّر خلال السنوات الماضية عن اعتراضاته على مشكلاته، وطالب بتغيير سياسات أوصلت البلاد إلى حالة من الانسداد، وأثّرت كذلك على حياة المواطنين.
وأضاف: لقد تحمّل الشعب الإيراني خسائر في سبيل هذه المطالب، إلا أنه في ظل الظروف الحالية التي تمر بها البلاد، وخاصة أجواء الحرب، اختار الصمت مراعاةً لهذه الأوضاع. وإلا فإن المعاناة الاقتصادية والمعيشية التي يرزح تحتها الإيرانيون على اختلاف فئاتهم، من نساء ورجال وعمال وتجار وأصحاب مهن وسائر شرائح المجتمع، هي أشد مما يمكن تصوره.

ليت المسؤولين سمعوا نداءات الشعب
وأضاف خطيب أهل السنة في زاهدان قائلا: ذكر أحد المسؤولين أن على الشعب أن يتحمّل ويصبر بسبب تلك المشكلات والظروف القائمة. فليتكم، أيها المسؤولون، كنتم تستمعون أيضا إلى نداءات هذا الشعب، وتخطون خطوة باتجاه تلبية مطالبه.
وتابع: إن كبار رموز الدين الإسلامي، الذين نفخر جميعا بالانتماء إليهم، كانوا يصغون إلى كلام الناس ويأخذون شكاواهم بعين الاعتبار.

دين الإسلام جاء بـ «العدل والإنصاف» و«المساواة والأخوّة»
وفي الجزء الأول من كلمته خلال خطبة الجمعة في زاهدان، تطرّق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى الظروف التي كانت سائدة في البشرية قبل الإسلام، قائلا: في زمن بعثة خاتم النبيين ﷺ كانت موجات الظلم والجور، واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، والاعتداء على الفئات الضعيفة، وخاصة النساء، قد بلغت مستويات كبيرة في العالم.
وأضاف: فبعث الله تعالى دين الإسلام ورسوله الكريم ﷺ ليعمّ العدل والإنصاف والمساواة والأخوّة بين الناس، ولإزالة الفوارق والتمييز الطبقي الذي كان سائدا آنذاك.
وأضاف: ففي خطبة للنبي ﷺ في صعيد عرفات، أعلن أن جميع البشر من أصل واحد هو آدم عليه السلام، وأن آدم خُلق من تراب، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لقرشي على غيره إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وتابع قائلا: لقد أزال الإسلام جميع أشكال التمييز والكراهية، وجعل كرامة الإنسان وحقوقه أساسا في المجتمع، بينما يكون معيار التفاضل هو الإيمان والأخلاق والسلوك الحسن.
وأضاف: ومع مجيء الإسلام، زال ظلم التمييز، حتى إن العدالة كانت تُطبَّق على الجميع دون استثناء، بحيث لو اعتدى ابن الحاكم أو حتى أحد ولاة الأمر على أحد من عامة الناس، فإنه يُحاسب ويُقتص منه دون تمييز.

في الإسلام لا يوجد شخصٌ أرفع من النقد
تابع خطيب أهل السنة في زاهدان: في الإسلام لا يوجد شخصٌ فوق النقد، فقد كان الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وهو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين- يُنتقد، وفي مرةٍ ما انتقد مهورًا ثقيلة في حفلات الزواج على المنبر، فاعترضت امرأة من بين الحضور وقالت: إن الله تعالى ورسولَه لم يحددا مبلغًا بعينه للمهور، وإنما تحديد المهور أمرٌ يتم باتفاق. فأقرّ عمر قولها ورجع عن رأيه.
ثم قال: عندما جاء سفير الروم لزيارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المدينة، سأل الصحابة: أين ملككم؟ فقالوا: ليس لنا «ملك»، وإنما لدينا «أمير». وفي نظام حكمنا لا يوجد «نظام ملكي» يكون فيه كل شيء بيد شخص واحد يفعل ما يشاء. بل إن الحكم في الإسلام هو حكمٌ شعبي؛ ويقوم حاكم المسلمين بكل الأعمال بمشاورة الشعب.

في الإسلام لا تكون الحكومة لشخصٍ واحد
وتابع فضيلته قائلا: في الإسلام لا تكون السلطة لشخص بعينه ولا لفرد واحد، فقد أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند وفاته، وخاطب الصحابة قائلا: انتبهوا ألا يكون لابني عبد الله بن عمر – مع كونه رجلا صالحا وكفؤا – أي حق في الخلافة أو وراثة الحكم.
وأضاف: لقد كان في صدر الإسلام عدل وإنصاف، وكانت الأمور بيد الشعب ، وكان صوت الناس يُسمع ويؤخذ بعين الاعتبار في إدارة الأمور.

جاء دين الإسلام إلى العالم بـثورة الإيمان والأخلاق والعدالة
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: لقد جاء دين الإسلام إلى العالم بـ «ثورة الإيمان والأخلاق والعدالة»، وهي الثورة ذاتها التي عمّت أصداؤها أرجاء المعمورة، فقد خضعت القوى والشعوب أمام هذه الثورة، وهذا التطوّر الإسلامي دون إكراه أو إجبار، وأقبل الناس أصحاب الحضارات في إيران والروم وغيرهم من شعوب العالم على اعتناق دين الإسلام طوعًا.

الإسلام ليس مجرد اسمٍ ولقب؛ بل على المسلم أن يلتزم بالعدل والإنصاف واتباع سيرة النبي ﷺ
في الختام، أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى أن الإسلام ليس مجرد عنوان أو لقب نُطلقُه على أنفسنا فنسمّي أنفسنا «مسلمين»، ثم نفعل ما يحلو لنا، كما نرى اليوم من أناسٍ يصفون أنفسهم بالمسلمين بينما يرتكبون جرائم القتل والظلم وقطع الطرق واحتجاز الرهائن وغيرها من الجنايات.
وأضاف فضيلته قائلا: إن الطريق والنهج الذي يسلكه بعض المسلمين اليوم لا يقربهم من الله ورسوله ولا من الجنة، بل على العكس تماما، فهو يبعدهم عن الله وعن نبيه وعن جنته؛ لذلك يجب على جميع المسلمين أن يلتزموا بالعدل والإنصاف وسيرة النبي ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين، وأن يسيروا على نهج الإسلام الصحيح، وأن يتجنبوا البغضاء والعداوة والتكبر والغرور وسائر الصفات الذميمة.