منذ أن تعبر من مدينة “سفيدابه” ونقطة تفتيش “كولهسنگي”، تستقبلك حرارة الفقر الحارقة في وجهك؛ كل شيء هنا تفوح منه رائحة الفقر: أكشاك بيع البنزين والوقود على جانبي الطريق، والسيارات التي تهرع بأقصى سرعة وهي محمّلة بالشباب الحاملين لصفائح البنزين القديمة، المحاطين بخطر الاشتعال، يحدقون في الأفق نحو الحدود، والأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم خمس أو ست سنوات، وقد أصبحت أيديهم ماهرة بفعل الفقر المدقع، يبيعون البنزين بالجالونات للمركبات؛ الفقر هنا يسيطر على كل شيء.
مدينة زاهدان، كمركز لمحافظة شاسعة، لا تنال شيئاً من الصناعة أو “التنمية الوطنية”؛ منطقتها الصناعية دخلت في غيبوبة منذ زمن، و”العامل الصناعي” بات مصطلحاً لا معنى له هنا. لأكثر من عقدين، ترتدي زاهدان عباءة الفقر، وقد اضطر كثير من السكان، حتى النخبة والمثقفين، إلى الهجرة. ومع ذلك، فإن وضع سيستان أسوأ بكثير؛ مدينة “زابل” تحترق حرفياً بنيران الإهمال، والنسيان، والجفاف، حتى أصبحت رماداً…
سيستان… القابعة وسط الرماد
كانت سيستان في الماضي القريب صومعة قمح شرق البلاد؛ كان مشهد سنابل القمح الذهبية وهي ترقص تحت شمس سيستان النقية، في غياب الغبار والجفاف، مشهداً خلاباً. لا يزال سكان سيستان وبلوشستان يذكرون خبزها الفاخر، والأسماك الكبيرة التي كان يصطادها السكان من بحيرة هامون. في تلك الأيام، كان الرزق وفيراً في سيستان. أما اليوم، فلم يتبقَّ سوى البطالة، والجفاف، والعواصف الترابية. كثيرون هاجروا من سيستان؛ في العقد الأول من القرن، ومع بداية جفاف بحيرة هامون، بدأت موجة الهجرة: أولاً غادر المزارعون، والرعاة، والصيادون، ثم تبعهم أصحاب المتاجر والتجار…
«أحمد» هاجر من زابل إلى “جرجان” قبل عشرين عاماً. يقول إنه لم يكن أمامه خيار سوى الرحيل: “كنّا نزرع القمح، ولكن مع الجفاف لم يعد هناك سبيل للبقاء. عملت بداية في مزرعة تبغ يملكها ابن عمي، ثم أصبحت شريكاً معه تدريجياً. هنا أيضاً توجد مشاكل، لكنني على الأقل تمكنت من إرسال أطفالي إلى المدرسة؛ ابني أصبح معلماً وابنتي تزوجت”.
هذا المزارع النازح من أرض أجداده، يصف البقاء في سيستان بأنه مستحيل:
“أراضينا احترقت هناك، لم يتبقَّ لنا شيء…”.
“أكثر من 80٪ من الزراعة في سيستان اندثرت”
«يونس دهمرده»، ناشط مدني يقيم في زابل، يقول: “الهجرة من هذه المنطقة بلغت أعلى مستوياتها. إن ذهبت إلى شمال مدينة هيرمند، عند أطراف بحيرة هامون، سترى قرى كانت تعجّ بالحياة، لكنها اليوم شبه خالية”.
ويضيف: “حتى النخبة غادرت سيستان، فلا توجد مدارس جيدة، ولا حدائق، ولا أي خدمات أساسية. الأساتذة والموظفون يغادرون جماعات”.
ويتابع: “الوضع في هذه المنطقة كأنه من مشاهد نهاية العالم؛ لا يُصدق لمن لم يره. تحولت بحيرة هامون إلى صحراء كاملة، ولو قلت لابنتي إن هذه الصحراء كانت في يوم من الأيام بحيرة شاسعة، فلن تصدقني. أكثر من 80٪ من الزراعة في سيستان تلاشت؛ والدي يمتلك 300 هكتار من الأرض في هيرمند، لكنها لم تُدر عليه دخلاً منذ خمسة عشر عاماً… لا ماء هناك.” ويقول عن الوضع الصناعي: “لا يوجد حالياً أي مصنع نشيط في المنطقة. حكومة روحاني كانت قد خططت لبناء مصنعين كبيرين: أحدهما لإنتاج الإطارات، والآخر للسيراميك، ووُضع حجر الأساس لهما في 2011م تقريباً، لكنهما لم يفتتحا أبداً”.
ويختتم: “الوضع صعب جداً، ولولا الإعانات الحكومية، لكان الكثير من الناس لا يجدون ما يأكلونه ليلاً”.
«تهريب الوقود»؛ مقامرة بالحياة من أجل لقمة خبز
يعتبر «دهمرده» أن تهريب الوقود هو السبيل الوحيد لكسب العيش لدى بعض الشباب المحليين؛ طريق مليء بالخطر، وكأنه مقامرة بالحياة لأجل الخبز. يقول: “حتى الحدود ليست في خدمة الناس؛ هي مفيدة لفئات معينة فقط، أما الناس العاديون فلا. قلت ذات يوم للمحافظ: جرب أن تذهب كأي شخص عادي إلى الحدود، لن تتمكن حتى من نقل جهاز تلفاز؛ لأن المواطنين العاديين غير قادرين على ذلك”.
“الناس عاطلون”/ “لم تُنجز مشاريع بنية تحتية”
يقول «حسينعلي أكبري»، الأمين التنفيذي لبيت العمال في سيستان وبلوشستان، عن البطالة والإهمال في المنطقة: “لا يوجد عمل هنا؛ فكيف يمكننا الحديث عن نسبة البطالة؟! عندما تدخل قرية في سيستان، قد تجد عشر عائلات، بلا زراعة، ولا حتى بئر ماء. ولا توجد صناعة خارج القرى؛ الناس عاطلون تماماً”.
ويضيف: “سيستان لا تمتلك أي صناعة فعلية؛ لدينا فقط مصنع واحد للنسيج يعمل بـ35٪ من طاقته، وموظفوه معظمهم غير مؤمّنين. لو عمل بكامل طاقته، قد يوفر وظائف لـ500 شخص فقط. الأوضاع سيئة للغاية؛ عندما كانت بحيرة هامون على قيد الحياة، كنا نمارس الزراعة وتربية المواشي، الآن لا شيء”.
ويقول عن المصانع التي لم تكتمل: “لا وجود لمفهوم التنمية في سيستان؛ تلك المصانع التي وُضع لها حجر الأساس، لم تتقدم حتى 5٪ بعد عشرين عاماً. لم نرَ أي مشاريع حقيقية لتوفير فرص العمل. حتى الحدود، التي يُفترض أن تكون فرصة اقتصادية، لا يستفيد منها العاملون والكادحون، بل فقط فئة خاصة”.
من مفترق زابل، إلى أي اتجاه تسلك، لا ترى سوى الفقر؛ في زاهدان، البطالة والفاقة وتهريب الوقود يسيطرون، أما سيستان، فهي أرض محترقة.
الحرمان له ألف وجه، ولكن عندما يصفعك الهواء الساخن في زابل، وتخنقك العواصف الترابية، وعندما تحدّق في الأفق نحو “الجفاف الكبير”، ترى أبشع وجه للحرمان؛ هنا، الناس يطرقون كل الأبواب لأجل لقمة عيش، لكن الكثيرين لا يعيشون إلا بفضل الإعانات…
المصدر: وكالة أنباء إيلنا (ملخصا)