غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في زاهدان، يوم 20 ذي القعدة 1446هـ إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج. وفي الأيام الأخيرة من موسم الحج، وبينما كان الحجاج الإيرانيون يتهيّأون للعودة إلى وطنهم، تعرّضت الأراضي الإيرانية لاعتداء عسكري مفاجئ من قِبل إسرائيل، ما أدى إلى إلغاء جميع الرحلات الجوية الإيرانية وتعطيل خطط عودة الحجاج.
عقب هذا الحدث الطارئ، أعلنت عدد من الدول المجاورة لإيران، من بينها العراق، وباكستان، وأفغانستان، استعدادها لاستضافة الحجاج الإيرانيين وتأمين عودتهم إلى بلادهم. وبناءً على تقييم الأوضاع، قرر فضيلة الشيخ عبد الحميد العودة عبر أفغانستان، معتبرًا أنها الأكثر أمانًا مقارنةً بالدول الأخرى. وفي طريق العودة، سافر فضيلته من السعودية إلى كابل، ثم إلى مدينة هرات، ومنها إلى ولاية نيمروز، حيث دخل إيران عبر حدود نيمروز البرية.
وخلال هذه الرحلة المفاجئة والقصيرة إلى أفغانستان، والتي رافقه فيها كلٌّ من: الشيخ أحمد كوهركوهي (مدير المدرسة الدينية “مفتاح العلوم” في مدينة تفتان)، والشيخ محمد إسماعيل ملازهي (نائب مدير جامعة دار العلوم زاهدان في الشؤون الإدارية وأحد أساتذتها)، والشيخ زكريا إسماعيل زاهي (أستاذ في دار العلوم زاهدان)، لبّى فضيلة الشيخ عبد الحميد دعوات ملحّة من العلماء والأهالي في مدن كابل وهرات وزرنج (عاصمة ولاية نيمروز)، وقام بزيارة عدد من المراكز العلمية والدينية، كما ألقى كلمات وخطبًا في لقاءات جماهيرية مع العلماء وعموم الناس في تلك المناطق.
فضيلة الشيخ عبد الحميد في “جامعة رياض العلوم” بكابل
خلال هذه الرحلة القصيرة، قام فضيلة الشيخ عبد الحميد، بدعوة من الشيخ عبد الله متقي، مدير جامعة رياض العلوم بكابل، عصر الأربعاء 28 ذي الحجة 1446 بزيارة هذا المركز العلمي والثقافي، والتقى بالأساتذة وطلاب هذا المركز العلمي.
بعد الترحيب بفضيلته من قبل الأساتذة والطلاب عند وصوله إلى “جامعة رياض العلوم”، قام فضيلة الشيخ عبد الحميد بجولة في مختلف أقسام الجامعة، وخلال لقائه بالدارسين والأساتذة، أعرب عن سعادته بهذه الزيارة، وألقى كلمة، يمكن تلخيص أبرز ما جاء فيها فيما يلي:
📌 “نحن سعداء للغاية بالفرصة التي قدرها الله تعالى لنا لزيارة المجمع الثقافي الكبير “جامعة رياض العلوم” والالتقاء بالأساتذة الأفاضل والطلاب الأعزاء في هذا المركز العلمي. نسأل الله تعالى أن يمنح هذا المركز العلمي الازدهار والتقدم، وأن يحوله إلى صرح تربوي كبير يُخرِّج أفرادًا نافعين للمجتمع”.
📌”أيها الطلاب الأعزاء! لقد اخترتم طريقًا صحيحًا؛ ولكن انتبهوا إلى أن العلم يُكتسب بـ “المجاهدة، والجهد، والإخلاص”.
📌”العلم هو ميراث الأنبياء عليهم السلام، وأكبر ثروة، وهو نور، ومن الاحتياجات الأساسية للمجتمع البشري، وطريق وصول الإنسان إلى سعادة الدنيا والآخرة”.
📌”العمل لا يمكن بدون العلم؛ فما لم يكن هناك علم، لا يعرف الإنسان كيف يعبد الله ويخدم المجتمع البشري”.
📌 “يصل الإنسان إلى معرفة الله من خلال العلم”.
📌”إن أكبر ثروة وهدية قدمها الأنبياء عليهم السلام للعالمين كانت “العلم” و “المعرفة” و “معرفة الله”.
📌”اكتساب العلم وتعلمه يكون ذا قيمة ويرضي الرب عندما يكون خالصًا لله، وليس من أجل منصب أو شهرة أو حب الدنيا”.
📌”إلى جانب اكتساب العلم، فإن الاهتمام بـ “التزكية” مهم جدًا أيضًا”.
📌”أنتم أيها الطلاب الأعزاء، تعلموا “علم الظاهر” وكذلك “علم الباطن” (التزكية)”.
📌 “العالم الذي يمتلك العلم ويتزكى هو من أكبر ثروات المجتمع”.
📌 “المجتمع بحاجة إلى علماء صالحين، ورحماء، ومتقين”.
📌”نصل إلى الله تعالى عندما نتجاوز الأنانية ونتمتع بالتواضع والخضوع”.
📌”الإخلاص هو شرط قبول العلم، والتزكية والإصلاح شرط تأثير العلم”.
📌”في أفغانستان، تظهر قدرة الرب؛ لقد هزم الله تعالى في هذا البلد قوتين عظيمتين بفضل شعب أعزل وبدون إمكانيات أو أسلحة”.
📌”لقد دخل “الاتحاد السوفياتي السابق”، ومن بعده “الناتو” بادعاءاتهم وقدراتهم إلى أفغانستان، لكنهم تلقوا ضربة الجهاد، وقاومهم الشعب الأفغاني المجاهد وحرروا بلدهم من الاحتلال”.
📌”أيها الشعب الأفغاني العزيز، لا تعتبروا هذه الانتصارات من أنفسكم ولا تفخروا بقوتكم، بل اعتبروها علامة على عظمة الرب تبارك وتعالى وافخروا بقوة الله تعالى. إن الله هو الذي يمنح العزة أو الذلة، والنصر والتمكين من عند الله تعالى فقط”.
فضيلة الشيخ عبد الحميد في دار العلوم – هرات
في طريق عودته إلى البلاد، وبدعوة من فضيلة الشيخ المفتي غلام سرور، مدير دار العلوم في هرات، غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد صباح الخميس (29 من شهر ذي الحجة 1446) العاصمة كابول متوجهًا إلى مدينة هرات.
وخلال التوقف القصير في هرات، قام بزيارة دار العلوم هرات، وتبادل الحديث مع أساتذة هذا المركز العلمي، ثم ألقى كلمةً في مسجد دار العلوم أمام العلماء والطلاب وشرائح مختلفة من أبناء الشعب.
وفيما يلي أبرز ما جاء في كلمته:
📌 “لا أجد تعبيرًا أعظم ولا أبلغ من عبارة «الحمد لله رب العالمين» لأُعبر بها عن شكري لله تعالى، الذي مَنَّ عليّ بعد طول انتظار وشوق، بفرصة زيارة أفغانستان واللقاء بكم أيها الشعب العزيز، والمتدين، والحار في عواطفه، والكريم في ضيافته”.
📌 “أتقدم بالشكر الجزيل إلى إمارة أفغانستان الإسلامية، وإلى العلماء وأبناء هذا الشعب الكريم، على ما قدموه من خدمات، وما أظهروه من مودة وحفاوة واستقبال”.
📌”إن هرات مدينة عريقة، ومدينة أولياء الله والعلماء والصالحين، وهي مدينة العلامة الشيخ جليل الله والشيخ الشهيد مجيب الرحمن الأنصاري – رحمهم الله تعالى”.
📌”من أبرز ما يُلحظ في موسم الحج أن جميع الحجاج، رغم اختلافاتهم العرقية واللغوية والمناطقية، إلا أنهم يشتركون في غاية واحدة، وهي تحقيق مرضاة الله سبحانه وتعالى”.
📌 “من الدروس الصريحة في الحج: أن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وتضحياته، وكذلك تضحيات أصحابه، هي التي أدت إلى انتشار الإسلام في كل أرجاء الأرض، وهذا التجمع العالمي في الحرمين هو ثمرة تلك التضحيات”.
📌 “ما يُرضي الله تعالى، ويُفرح النبي صلى الله عليه وسلم، هو أن يبقى دين الإسلام حيًّا، وأن تنتشر أهداف الرسالة في العالم، وأن يدخل الدين والعلم في حياة الناس”.
📌”إن أمة الإسلام كلها أبناء النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يجب عليهم أن يحبوا سنته وسيرته، وأن يعملوا بها”.
📌”الوعي الديني أمر ضروري ومصيري؛ يجب أن نهيّئ الأرضية التي تُساعد الناس على بناء دنياهم وآخرتهم”.
📌”العلم – سواء الديني أو الدنيوي – ضرورة لتقدُّم حياة الإنسان ورُقيّه”.
📌”الدنيا خُلقت للإنسان، والإنسان خُلق للآخرة؛ والأمة الناجحة هي التي تعمر دنياها وآخرتها معًا”.
📌”لقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون على بناء آخرتهم، وكذلك دنيا الناس وآخرتهم”.
📌”الأمة التي تتجه فقط نحو العلوم الدنيوية وتُهمل العلوم الدينية، ستقع في خسارة فادحة”.
📌”المدارس الدينية والكتاتيب القرآنية التي يُتلى فيها كتاب الله، هي من رحمات الله، والحمد لله هذه الرحمة منتشرة في أفغانستان”.
📌”أوصي العلماء والطلاب أن يقووا صلتهم بالله تعالى، وأن يعملوا على تقوية صلة الناس بالله أيضًا؛ لأن هذه الصلة هي سر حياة كل أمة”.
📌 “الأرض التي يُذكر فيها اسم الله تعالى، ويُعبد فيها الله تعالى، تنزل عليها البركات والرحمات، أما الأرض التي ينتشر فيها الفساد وسفك الدماء، فإنها تصبح عرضة للعنة وسخط الله تعالى”.
📌”آثار السجود والعبادات التي كانت تمارسها شخصيات عظيمة مثل: الخواجه عبد الله الأنصاري، والشيخ عبد الرحمن الجامي، وغيرهم من أولياء الله – رحمهم الله – لا تزال حاضرة في أرض هرات”.
📌 “فلنغتنم فرصة الحياة لنشر الدين والعلم وخدمة الأمة”.
فضيلة الشيخ عبد الحميد في “مؤسسة إحياء العلوم الدينية” بزَرَنْج
غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد، في عصر يوم الخميس 29 ذو الحجة 1446، وسط توديع مختلف فئات الشعب في هرات، وقد استضافت مؤسسة “إحياء العلوم الدينية” الواقعة في مدينة “زَرَنْج”، مركز ولاية نيمروز، فضيلة الشيخ عبد الحميد والوفد المرافق له. يتولى الشيخ أحمد الله حبيبي إدارة مؤسسة “إحياء العلوم الدينية” بزَرَنْج، والتي تُعد من المراكز النشطة والمعروفة.
وصل فضيلة الشيخ عبد الحميد والوفد المرافق له صباح يوم الجمعة 1 محرم 1447 إلى مدينة زَرَنْج، حيث استُقبلوا من قبل العلماء وطلاب ولاية نيمروز. في بداية وصوله إلى المدرسة الدينية “إحياء العلوم”، قام فضيلته بجولة في أقسام مختلفة من المدرسة، ثم ألقى كلمة موجزة أمام الأساتذة والطلاب، وصف فيها مدرسة “إحياء العلوم الدينية” بزَرَنْج بأنها “من المراكز الحيوية والنشيطة في حفظ ونشر العلوم الإسلامية والسنة النبوية”، وأعرب عن سعادته بـ”الجو العلمي والمعنوي السائد في هذه المدرسة”، ودعا لها بالتقدم والازدهار.
على الرغم من إصرار علماء ولاية نيمروز على إلقاء فضيلة الشيخ عبد الحميد خطبة الجمعة بمدينة زَرَنْج، إلا أنه كان يعتزم حضور صلاة الجمعة في زاهدان. لذلك، وبعد صلاة الفجر في مسجد “إحياء العلوم الدينية” بزَرَنْج، ألقى كلمة قصيرة أمام العلماء والوجهاء والمثقفين ومختلف فئات الشعب. وفيما يلي مقتطفات من كلماته:
📌”هذا العام، حالفني التوفيق لأداء فريضة الحج، حيث رأيت عددًا كبيرًا من الحجاج من أفغانستان وبخاصة من ولاية نيمروز”.
📌”يُهيئ الله تعالى بفريضة الحج سبباً يلتقي فيه عدد كبير من أصحاب اللغات والثقافات والاتجاهات المختلفة من جميع أنحاء العالم، ويكون هدفهم جميعاً هو تحقيق مرضاة الخالق”.
📌”في الحج، يجتمع عدة ملايين من الأشخاص بأفكار وآراء متباينة من مختلف بقاع الأرض، ولا يحتاجون إلى شرطة أمنية؛ (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة: 197]”.
📌”بالنسبة لمن يبحث عن حقيقة الدين الإسلامي، فإن التأمل في فريضة الحج، كإحدى أهم أركان الإسلام، كافٍ ليؤمن”.
📌”السفر إلى أفغانستان كان من أمنياتي القلبية، ولم أكن لأحلم أن تتاح لي فرصة هذا السفر بهذه الطريقة؛ على الرغم من أن هذه الزيارة قصيرة، وهي في طريق المرور والعودة إلى إيران”.
📌”لقد حرر الشعب الأفغاني العزيز بلادهم مرتين من احتلال الأجانب؛ مرة من احتلال الاتحاد السوفياتي السابق، ومرة أخرى من احتلال القوى الغربية وحلف الناتو، وبهذا أصبح هذا الشعب سبب فخر الأمة الإسلامية”.
📌 “الحمد لله، يسود الآن الأمن في أفغانستان بشكل لا مثيل له”.
📌”من بين النعم الدنيوية، لا توجد نعمة أعلى من “الأمن”؛ كما دعا النبي إبراهيم عليه السلام لمكة المكرمة قائلاً: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر”. [البقرة: 126] لقد دعا أولاً لـ “الأمن” ثم لـ “الرزق” لأهل مكة”.
📌”نحن سعداء للغاية بلقاء العلماء الكرام والطلاب الأعزاء والشعب العزيز والمضياف في نيمروز. نأمل أن تُحل المشكلات في المستقبل وأن تستمر هذه الزيارات”.
📌”العلم والمعرفة أمران حيويان ومهمان للغاية، والخدمة لنشر العلم بأي شكل من الأشكال هي أعظم جهاد”.
📌 “إسداء النصح للشعب والتواجد بجانبه من أعظم الجهاد”.
📌”قال لي أحد الأعزاء: عندما كنا نجاهد في أفغانستان، كنا نشعر بسعادة غامرة، ولكننا الآن وبعد توقف الجهاد، لا نشعر بالراحة والسعادة. قلت لهذا العزيز: أنتم الآن في جهاد آخر، وهذا الجهاد هو “خدمة الشعب”؛ فتوفير الأمن والراحة للشعب هو من أفضل وأعظم الجهاد في سبيل الله تعالى”.
📌”الجهاد الثقافي والعلمي من أفضل أنواع الجهاد في العالم. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بتعلم لغات وثقافات الأمم والشعوب، حتى يتمكنوا من عرض دين الإسلام عليهم بلغتهم الخاصة”.
📌”يجب على العلماء والدعاة ومختلف فئات الشعب أن يسعوا جاهدين في سبيل نشر الدين والهداية في المجتمع، والعمل بأحكام الدين وسنن النبي صلى الله عليه وسلم”.
📌 “يجب أن يغتنم العلماء والشعب الأفغاني العزيز الفرصة المتاحة في بلادهم، ويستغلوا هذه الفرصة الدينية في تعليم ونشر العلم وإصلاح الخلق”.
📌”مسؤولية العلماء تجاه الفئات والطبقات الأخرى لإصلاح المجتمع ثقيلة”.
📌”لا بد من إحياء التقوى والورع والأخلاق والصفات التي يحبها الله تعالى، في المجتمع”.
📌”لا ينبغي أن نكون غير مبالين بالذنوب والغفلات الموجودة في المجتمع”.
📌 “ادعموا المدارس والمراكز والأنشطة الدينية وكل عمل يهدف إلى الهداية وخدمة الشعب”.
العودة إلى الوطن
غادر فضيلة الشيخ عبد الحميد ولاية نيمروز الأفغانية متوجهاً إلى إيران، وسط توديع كبير من العلماء والطلاب وعامة الناس، وكذلك المسؤولين المحليين في ولاية نيمروز الذين رافقوه حتى نقطة الصفر الحدودية. ووصل بعد 42 يوماً من التواجد في أرض الحرمين الشريفين ورحلة قصيرة لا تُنسى إلى أفغانستان، إلى مدينة زاهدان، صباح يوم الجمعة (1 محرم 1447).