- سني أون لاین - https://sunnionline.us/arabic -

الشيخ عبد الحميد: قد ولّى عهد الدكتاتورية، ونرجوا أن تكون الأوضاع الجديدة لصالح الأمة الإسلامية

أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في القسم الأخير من خطبة الجمعة، التي ألقاها أمام عشرات الآلاف من المصلين في الجامع المكي، إلى صحوة الشعوب الإسلامية الأخيرة قائلا: كما أنكم تعلمون أن صحوة دينية ومدنية بدأت في هذه الأيام في الشرق الأوسط، ولقد شهد هؤلاء الشعوب الإسلامية في الماضي عقودا من الاستبداد والديكتاتورية، وحكم عليهم رؤساء مستبدون جاؤوا بطرق غير شرعية  كالانقلاب العسكري أو الانتخابات المزورة، وأذاقوا شعوبهم أنواعا من الذل  والهوان، ولقد عانى المسلمون الذلة والمشكلات، وهؤلاء المستبدون ما كانوا يسمعون لمطالب شعوبهم، ولقد أراد الله بهذه الشعوب الرحمة والخير في هذه الأيام، حيث نجّاهم من براثن الطغاة. فكم ضحّى الشعب الليبي من الأرواح للحرية، وكم قتل الطاغية الليبي – الذي سمّى نفسه “ملك ملوك إفريقيا” وقائد الأمة الإسلامية” – من الأبرياء، إلى أن قُتل؟ وجدت للشعب الليبي فرصة جديدة وظروف جديدة من الحياة الاجتماعية.

وتابع فضيلته قائلا: الشعب الليبي أمام اختبار جديد، ونتوقع أن يتغلب هذا الشعب بتوحيد الكلمة وتوحيد الصفوف على كافة المشاكل والمصائب، ويتجاوز كافة الموانع والصعاب، وأن يصلوا إلى الحرية المطلوبة والمشروعة في إطار الشريعة الإسلامية.
وأضاف فضيلته قائلا: نتمنى كذلك أن يتحرر كافة الشعوب الثائرين ضد حكامهم المستبدين، ولكن الذي يثير الغرابة أن الباقين من المستبدين والطغاة لا يريدون أن يعتبروا بمصير الطغاة الذين سقطوا في البلاد الأخرى، ونعتبر هذا عذابا لهم من عند الله. فلو لم يكن هذا عذابا من عند الله، لسمعوا مطالب شعوبهم واستجابوا لها.
وتابع فضيلته قائلا: العالم الإسلامي ترك من خلفه أوضاعا وظروفا، وتوجّه نحو أوضاع وظروف جديدة، وقد صار الاستبداد والدكتاتورية لا يتحملها البشر، فنرجوا أن نواجه ظروفا وأوضاعا تكون لصالح البشر ولفخر الأمة المسلمة في العالم.

ضعف البواعث الدينية سبب لتضييع الحقوق والعبادات
وفي الخطبة الأولى، تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد بعد تلاوة آية “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”، إلى بيان غلبة حب الدنيا والماديات على البشر المعاصر، قائلا: لقد أغرم البشر في هذا العصر الذي نعيش فيه بمحبة الحياة الدنيا وبمحبة الماديات وآلاتها ووسائل العيش في هذا العالم. إن زهرة الدنيا وزخارفها حلوة. عصرنا عصر غلبت فيها عبادة المادة والمال، وهو عصر التفاخر بين الشعوب في جمع الأموال، والتفنن والتكاثر فيه، وعصر الآلات والوسائل المستحدثة والمخترعات الجديدة من أسباب الدنيا وآلاتها.
وتابع فضيلته قائلا: لاشك أن كافة أسباب العيش من نعم الله تعالى، ولكن نعمة الإيمان والهدى ونعمة الخوف من الله ونعمة التفكر في عاقبة الأمر والتفكرفي الجنة والنار والخوف من الحساب، تفوق هذه النعم كلها، وهي نعمة أغلى وأهم من كل نعمة.
وأشار فضيلته إلى ضعف التفكر في الآخرة في الإنسان المعاصر قائلا: لقد ضعف فينا فكر الآخرة، ونفكر دائما في المعاش، ماذا نأكل وماذا نلبس؟ ونفكر دائما في هذا العيش، ونرى الأوضاع الراهنة في العالم كيف أصبح هذا العيش المادي كل همّ البشر. فالبشر نشيط وعامل ليلا و نهارا في المجالات المادية، ولكن الجانب الديني وفروعه من الكرامة والتقوى والعبادات فقد صار مهملا.
و تابع فضيلته قائلا: لننظر إلى أحوال المؤمنين وأوضاعهم، ولنبدأ من أنفسنا أولا، فكم نضيع من الحقوق والعبادات في حياتنا اليومية، حتى صار من السهل لنا تضييع أركان الإسلام الخمسة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان”.
وأضاف فضيلته قائلا: بالشهادة والتصديق بـ”لا إله إلا الله” يكون الإنسان مسلما، وأهم العبادات والأحكام المفروضة عليها هي الصلاة، وأول صلاة أقيمت أقيمت بالجماعة. الصلاة من العبادات التي فرضت بالجماعة، والواجب أن نؤدي الصلاة في مساجدنا ونركع مع الراكعين ونسجد مع الساجدين. قال الله تعالى: “يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ”. كانت نسوة بني إسرائيل أمرن بالصلاة مع الرجال في المساجد.
واستطرد قائلا: من المؤسف جدا أن تضيع الأركان الخمسة للدين، فقد صارت البيوت مقابر بتضييع صلاة الفجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لاتجعلوا بيوتكم مقابر”. وكذلك الكثير من الأغنياء لا يراعون حدود الشريعة في تأدية زكاة أموالهم. العقارات والمساكن التي تشترى بنية التجارة تجب فيها الزكاة. والكثيرون لا يفكرون في فريضة الحج، والحج واجب عليهم. وإن مات الإنسان وهو قادر على أداء الحج، فكأنما مات يهوديا أو نصرانيا.
وأشار فضيلته إلى ضعف الدافع الديني وضعف الإعتقاد بالآخرة وعقاب الله كأحد أسباب تضييع حقوق الله والعبادات قائلا: لقد ضعف الإيمان وضعف الإعتقاد بالآخرة والحساب والكتاب، وتغافلنا سكرات الموت، وتغافلنا عذاب القبر ومشاهد القيامة كلها. ليست لدينا دوافع لأجل الآخرة. إن الله تعالى قد خلق الدنيا لأجل الآخرة، ولكننا جعلنا الدنيا غاية وهدفا، لذلك فلا روح ولا خشوع في العبادات، ولا حضور قلب في الصلاة، ولا إخلاص فيها وفي العبادات الأخرى.
وتابع فضيلته قائلا: مرة سألني شخص عن فلسفة ضمّ اليدين في الصلاة، فنحن وإن كنا نضم اليدين في الصلاة نظرا إلى ما ورد في السنّة، ولكن ضم اليدين يدل على نهاية التواضع والخشوع أمام الرب ونهاية العجز، كما أن السجود والركوع كل واحد منهما بيان لحالة من الذل والخشوع والتواضع. ومن المؤسف أن يكون الإنسان قائما أمام الرب أو ساجدا أو راكعا، ولكن يذكر قضاياه اليومية وأعماله الدنيوية.
وتابع فضيلته قائلا: لقد ضعفت الدوافع ودوافع التضرع والذل في مسلمي العالم. لا دوافع لإقامة الصلاة ولا للذكر والعبادات الأخرى، ولا للإنفاق على الفقراء والمساكين، ولا دوافع لفعل الحسنات وأعمال الخير فينا. لقد صارت وجهة كافة المساعي نحو تحسين الأوضاع المادية، ولا توجد دوافع لأجل تقوية العبادات وتقوية الإيمان وتقوية صلتنا بالرب تبارك وتعالى. لأجل ذلك نرى أن المسلم لا يستيقظ لأجل صلاة الفجر، ونرى المناطق التي يسكنها آلاف من المصلين يحضر لصلاة الفجر عدد قليل.
واستطرد فضيلته مشيرا إلى إعادة النظر في الدين قائلا: علينا أن نعيد النظر في ديننا، ونتوجه ونقبل إلى ديننا ونؤدي الحقوق الدينية كلها، ونقوّي في قلوبنا الدوافع والبواعث على الأعمال والعبادات، ونقوي صلتنا بالله تعالى، لئلا نموت على هذه الحالة من الغفلة.