تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان في خطبة هذه الجمعة بعد تلاوة قول الله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، إلى توضيح هذه الآيات قائلا: التكبر والاستبداد و الحرص على المال مضار ومفاسد تذهب بعرض الإنسان وتسقط قيمته. البخيل الذي لا يدفع الحقوق المالية، ولا يشبع من جمع المال، ذليل عند الله تبارك وتعالى. إن الله تعالى يحب الإنسان القانع بما قسم الله له من الرزق، والمقتنع بما أعطاه الله من الرزق قليلا كان أوكثيرا ويشكر الله عليه. يطلب المال لأن الطلب من تعاليم الشريعة، ويطلبه من الطرق المشروعة والصحيحة، ولا يرتكب المعاصي والذنوب في جمعه للمال.
وتابع فضيلته مشيرا إلى ضرورة الإجمال في طلب المال قائلا: لابد من الإجمال في طلب الرزق، لأننا مهما بالغنا في السعي والطلب لكن لا ينالنا إلا ما هو نصيبنا، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فنتقي الله تعالى ولا نبالغ في السعي والرزق، ولا نقلق أنفسنا للمعاش والرزق، لأننا مهما تكلفنا الهموم والمشكلات، يصلنا ذلك المقدار المعين من الرزق الذي قسم لنا. يجب أن نطلب الرزق، لأن الطلب من تعاليم الشريعة، ولكن ينبغي أن نختار الإجمال في طلب الرزق.
وأضاف فضيلته قائلا: من تعاليم الشريعة لنا الاقتناع بما أعطانا الله من الدنيا، وأن نرضى بالقليل ونشكر عليه، ويكون نظرنا في الأمور المالية إلى من هو أسفل منا مكانة، وفي الدين إلى من هو أرفع منزلة. فلو وقع نظر أحدنا على عمارة جميلة لنصرف النظر إلى من يعيش في بيت محقر مبني من الكوخ وليقل الحمد لله.
وتابع فضيلته قائلا: إن لله تعالى مصالح وحكم في تقسيم الرزق على عباده حيث أعطى البعض قليلا والآخر كثيرا. فلا يعصي الله تعالى ولا يسخط ولا يعتبر نفسه محروما.
واستطرد فضيلته قائلا: الإنسان كائن غريب للغاية، فكم هو حريص على جمع المال ومن الطرق المحرّمة. من المحيّر عندما نسمع اختلاس ثلاثة آلاف مليادر من المال العام. ماذا يريد أن يفعل بهذا القدر من المال؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب”.
وأضاف إمام وخطيب أهل السنة قائلا: لايكون طلبنا للمال والدنيا بدرجة نكون عشاقا للمال، – لا سمح الله تعالى-. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض”. المسلم يجب أن يكون عبدا لله، ولا يكون عبدا للمال ولا عبدا للدرهم والدينار. قال الله تعالى: “الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ”.
إن هذا الفريق من الناس ماذا يفعلون بلقاء الله تعالى، فإنهم لم يكونوا طلاب الآخرة، بل كانوا طلاب الدنيا. فكلما كانت لديهم أموال وثروة، رضوا بها، وكانوا أيضا غافلين عن الآيات التكوينية والتشريعية لله تعالى، فإنهم لا يرون هذه الجبال والسماء والكائنات التي خلقها الله تعالى، بل لا قدرة لهم على رؤيتها ليدركوا ماذا جعل الله للعبرة فيها. فمثل هؤلاء الناس كما قال الله تعالى “مأواهم النار”. النار مأوى عبدة الدنيا والذين آمنوا بالماديات ولم يعتقدوا بالله تعالى وهم غافلون عن الجنة والنار.
ولكن من اقتنع بما قسم الله له من المال والدنيا، ولم يقتنع في المسارعة في الطاعة والعبادة، فهؤلاء يهدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وتابع فضيلته قائلا: لنسارع إلى مغفرة من ربنا وجنة عرضها السماوات والأرض، ونكون مشتاقين لزيارة الرب تبارك وتعالى ولقائه وهو راض عنا. لقد مدح الله تعالى من اقتنع بالرزق وجعل الآخرة همه في سعيه وطلبه. فعلينا أن نذكر الله كثيرا ولا نكون غافلين عنه.
وأضاف قائلا: الشيطان يسعى في إفسادنا وتخريبنا، فلنسعى أن تكون صلاتنا صلاة حية وقوية، ونشكر ربنا على كافة النعم الروحية والمادية، فهذا من تعاليم ديننا. قال الله تعلى: “لئن شكرتم لأزيدنكم”. ونرضى بقضاء الله وقدره في كل شيء. إن الله يرضى من العبد الراضي والمقتنع.