تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إمام وخطيب أهل السنة، في خطبته التي ألقاها في الجامع المكي بمدينة زاهدان، بعد تلاوة آيات “يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ”. و”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”، إلى بيان أثر الرزق الحلال في حياة الإنسان، وتوفيقه للطاعة قائلا: في الآية التي تلوتها أمامكم يخاطب الله تعالى معشر الأنبياء، هذه الجماعة الخاصة والتي اصطفاهم لرسالته وويقول لهم: كلوا من الرزق الحلال واعملوا أعمالا صالحة.
وتابع فضيلته: بيّنت الآية أمرين أساسيين: الأول أكل الحلال الطيب من الرزق، بأن يكون المأكل والمطعم والمسكن والملبس والركب كله من المال الحلال؛ والثاني العمل الصالح وفعل الخيرات. الأمر الأول هو الرزق الطيب الحلال الذي لا يشوبه شيء من المشتبهات والمحرمات. يعلم من هذه الآية والحكم الإلهي أن أكل الحلال له أثر في الطاعة والعمل الصالح. إذا كان الرزق حلالا فله أثر بالغ في نجاح الإنسان في الأعمال الصالحة.
واستطرد فضيلته قائلا: مثل الخطاب الذي وجّه إلى الأنبياء، وجّه إلى كافة أهل الإيمان في سورة البقرة حيث قال الله تعالى: “ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون”. في هذه الآية أمرهم بالشكر، بعد أمره بأكل الحلال من الرزق، ويعلم أن شكر الله تعالى يوفّق له من كان رزقه حلالا. ثم قال الله تعالى: “إن كنتم إياه تعبدون”؛ فكل من يريد عبادة الله عبادة خالصة مقبوله فلا يخالط بين الحلال والحرام، ولا يخالط المشبوه بأمواله.
ثم بيّن الله تعالى بعض المحرمات في الآيات التالية، وذكر بعضها في آيات أخرى، وذكرت السنة أيضا بعض المحرمات.
وتابع فضيلة الشيخ مشيرا إلى آية 53 من سورة المؤمنين قائلا: بعد ما خاطب الله الأنبياء بأكل الحلال، قال “وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون”، وهي تشير إلى أن الأنبياء والرسل كانوا جميعا متفقين في الأصول الإعتقادية، وكان الفرق في الفروع وبعض الأحكام. ثم في الآية تحذير من التفرقة والاختلاف، وهي من نتائج أكل الحرام. كل شعب اعتاد أكل الحرام وحصول المال من طرق الحرام يبتلى بالفرقة والطائفية.
واستطرد قائلا: الحرام يجلب الفساد والتخريب، وللحرام آثار سلبية على روح الإنسان وجسمه؛ والحرام يخرب الجسم والروح، ويفسد المال. معظم الأموال التي تحصل من طريق الحرام أو تختلط بالحرام تنفق في طرق محرمة مثل الرشوة، أو تسرق، أو تضيع في الأدوية ونفقات المستشفيات والعلاج.
وأضاف فضيلته قائلا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “طَلَبُ كَسْبِ الْحَلاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ”، مثل فريضة الحج والصوم والصلاة. إن الله تعالى رزاق يرزق من كسب الرزق، فإن طلب الحلال رزقه الحلال وإن طلب الحرام ينال ذلك الحرام. معظم الأنبياء اشتغلوا بكسب الحلال قبل بعثتهم للنبوة، وقد قام الكثيرون منهم برعي الأغنام لما فيه من الحكم والدروس، خلافا لرعي الإبل والبقر؛ ومن حكم رعيهم الأغنام كسبهم الحلال من الرزق.
وتابع فضيلته مشيرا إلى كثرة الحرام في العصر الحاضر، واختلاط الحرام بالحلال وشيوع المشتبهات في المجتمع قائلا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ أَكَلَ الرِّبَا فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ”، كذلك الحرام في عصرنا، فمن لم يأكل الحرام يصيبه من بخاره. ربما تشتري غنما وتأتي به إلى البيت مع أنه مال مسروق، خاصة عندما تعم السرقة في المجتمع وتعم الرشوة والربا وتنتشر الأموال المحرمة في الأسوق، تكون النتجية أن بخار الحرام يصيبنا.
وتابع فضيلته قائلا: أكل الحلال ومراعاة الصداقة في القول من أثقل الأعمال على ميزان الإنسان يوم القيامة.
أسلافنا كانوا من أشد الناس تمسكا بهذه الخصال. أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي صلى الله عليه و سلم “كخ كخ”، ليطرحها، ثم قال “أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة”.
واستطرد قائلا: الإسلام دين ودستور شامل لكافة شؤون الحياة؛ له تعاليم وإرشادات في مختلف أبعاد الحياة، من العبادات والمعاملات والأخلاق.
وأردف فضيلة الشيخ عبد الحميد قائلا: ومن تعاليم الإسلام طلب الرزق الحلال والتجارة المشروعة. فلا ينبغي للمسلم أن يكذب في تجارته أو يحلف. الصدق ضروري جدا في التجارة. بناء على هذا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”، ويعلم من هذا أن الصداقة في التجارة صعبة جدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “التجار يحشرون يوم القيامة فجارا الا من اتقى الله وبر وصدق”.
وأضاف فضيلته: كذلك العمال والمؤظفون في الإدارت، يجب عليهم أن يلتزموا الصدق ويراعوا الأمانة في أعمالهم. يجب إجتناب الخيانة والتطفيف في الأعمال. “وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ”.
ورد في الحديث الشريف ” أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَقَدْ غُذِّىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ”.
وقال فضيلته: علينا أن نهرب ونفر من الحرام، ولا نأكل مال أحد إلا بطيب نفسه؛ والذي تعرفونه أنه لا يطيب لكم ماله فلا تأكلوا ماله. اجتنبوا من أموال اليتامى , أموال الأخت ليست حلالا لكم، وكذلك أموال الإخوة بعضهم لبعض وأموال الزوجة للزوج، ومال الولد للوالد، إلا أن يكون الوالد محتاجا. أكل مال بيت المال وأموال المساجد والمدارس بمثابة الخيانة في الغنيمة. قال الله تعالى: “وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”، لأن هذه أموال عامة لجميع المسلمين. مال المسجد ليس لنا، والواجب علينا مراعاة الأمانة فيها. وما يقوله البعض أن أموال الدولة مال الأب ولا بأس لنا بالانتفاع منها، هو زعم باطل وخطأ.
وأكد فضيلته في القسم الأخير من الخطبة على ضرورة التزام السنن في حفلات الزواج قائلا: النكاح عبادة في شريعتنا، فلا نفسدها بما حرّمه الله من الملاهي والأعمال المحرمة التي تجلب سخط الله علينا.
وأَضاف قائلا: كان النسوة الشريفات والعفيفات قبل أن تنزل آيات الحجاب يلتزمن الحجاب، وعندما نزل الحجاب التزم جميع النسوة من الإماء والحرائر هذا الحكم الإلهي، وقد ذكر الله مسائل الحجاب في سورة النور، وقد أمر الله تعالى النسوة أن لا يخرجن متبرجات مظهرات لزينتهن. ليست النسوة مسؤلات في قضية السفور فحسب، بل هناك مسؤولية على كواهل الرجال من الآباء والإخوة والأزواج، لأنهم أولياء.