قال فضيلة الشيخ عبد الحميد حفظه الله إمام وخطيب الجمعة لأهل السنة في مدينة زاهدان في خطبة هذه الجمعة مشيرا إلى حادثة تفجيري الأسبوع المنصرم في مسجد في زاهدان: الأسبوع المنصرم كان أسبوعا مؤلما ومؤسفا ومقلقا بالنسبة لنا، حيث استهدف فيها مسجد وأبرياء، ووقعت خسائر كبيرة في الأرواح والأموال، وقام الجميع بإدانة هذا الهجوم، واتحدت كلمة العلماء في المحافظة في إدانة هذا الهجوم من الناحية الشرعية والعقلية.
ودعا فضيلة الشيخ جميع أهل المحافظة من السنة والشيعة إلى الجلوس للتدبر في علل الحادثة قائلا: هذه الحادثة إنذار لجميع أهل المحافظة، وهي تتطلب من الجميع أن يقوموا بدراسة جذورها وعللها، فعلى الجميع أن يجلسوا ويتخذوا تدابير، جادة ويبحثوا عن علل وجذور الحادثة، ويتخذوا تدابير عملية. فكل حسب طاقته وسعته يجب عليه أن يسعى لتصدى المتطرفين الذين يريدون إيقاع العداوة والفتن الطائفية بين الناس وأن يخلوا بأمن المحافظة.
واستطرد قائلا: إن إشعال نيران الطائفية من أهداف الأعداء، ولا يوجد عاقل لا تقلقه الحادثة التي تأخذ أرواح المدنيين والتي تستهدف المساجد، لأجل ذلك تطلب هذه الظاهرة السيئة من الجميع من أهل المحافظة الذين عاشوا عشرات السنين معا وعندهم مصاهرات ومشاركات تجارية أن يجلسوا ويتفكروا لحل هذه الأزمة واسترداد الأمن إلى المحافظة، وأن يثبتوا بعملهم أن الأعداء لا يقدرون على تفريق هؤلاء الشعب إن شاء الله تعالى.
وتطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد في القسم الأول من الخطبة إلى بيان مطالب حول الإنفاق في سبيل الله قائلا: إن أحكام الشريعة الإسلامية فرضت لإصلاح المجتمع وإصلاح البشر.
وأضاف قائلا: الإنسان أشرف المخلوقات، وهو مخلوق غامض وعجيب في خلقته، وإن معرفة هذا الموجود أمر معقد أيضا، لذلك إصلاحه وتربيته يخرج عن دائرة وسع الإنسان وطاقته، والبرامج والمخططات التي يضعها البشر لا يليق ولا يناسب لإصلاحه، بل هو بحاجة إلى مناهج وأساليب لحياته من عند الله تعالى، فتلك المناهج التي جاء بها الأنبياء من عند الله عزوجل تكمن فيها تربية الإنسان وإصلاحه.
وتابع فضيلة الشيخ قائلا: الأنبياء كانوا خبراء بما أعطاهم الله من العلم والحكمة في معرفة أحوال الإنسان، وهم أفضل الخلائق لمعرفة أمراض البشر ونقائصه الروحية، وهم أطباء حاذقون في نفس الوقت لعلاج هذه الأمراض في جسم المجتمع البشري.
وأضاف فضيلة الشيخ: من الأحكام التي فرضت علينا في الشريعة الإسلامية أحكام كانت مفروضة على الأمم الماضية بشيء قليل من الاختلاف في الكيفية والكمية. فالصلاة مثلا كانت مفروضة في اليهودية والنصرانية قبل الإسلام. قال الله تعالى: “وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة”، وكذلك الزكاة لم تختص بهذه الأمة بل الأمم الماضية أيضا فرضت عليها الزكاة. والصوم أيضا كتب على الذين من قبلنا، والحج الركن الإسلامي الآخر الذي فرض على أنبياء سابقين وأتباعهم، فسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قبل قرون دعا الله تعالى قائلا: “أرنا مناسكنا وتب علينا”، ولعل إبراهيم هو مؤسس هذه الفريضة العظيمة.
وأضاف فضيلة الشيخ قائلا: لسنا نحن الأمة الوحيدة التي أمرت بهذه الأركان والفرائض والأحكام، كما أننا لسنا الأمة الوحيدة التي حرمت عليهم أمور ونهي عن فعل أعمال، بل جميع المحرمة والمنهيات نجد لها أصولا في الأمم والأديان السابقة. فما أحلها الله علينا كان حلالا لمن قبلنا، وما حرمه علينا كان حراما عليهم أيضا، ولكن الله لم يحرم حلالا على أمة من السابقين إلا بسبب ظلم من عندهم، كما قال الله تعالى: “فبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا”.
وأشار ففضيلة الشيخ إلى الزكاة كأحد أهم أركان الشريعة الإسلامية قائلا: لقد مر ذكر الزكاة في القرآن الكريم سبعين مرة وهي أهم فريضة بعد الصلاة ولا نجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله عبادة أكثر أهمية بعد توحيد الله من الصلاة والزكاة، ولقد أكد القرآن بالالتزام عليهما كثيرا في مواضع متعددة وآيات كثيرة.
وأضاف فضيلة الشيخ مشيرا إلى تكاسل الناس في الصلاة وتساهلهم في تأدية الزكاة قائلا: لقد ابتلينا نحن في عصرنا بالتكاسل في أداء الصلاة بشكل يرضي الله تعالى ، كما أننا نتساهل في دفع زكاة أموالنا ونتحرز عن أداء الزكاة بحجج واهية، ولا شك أن التكاسل وعدم المبالاة بالصلاة أمر ثقيل وعظيم جدا، فإن بالصلاة تتدارك جميع النقائص التي توجد في العبادات الأخرى، ولكن إذا كانت الصلاة منقوصة لا يمكن تدراكها بعبادات أخرى.
وأضاف فضيلة الشيخ مشيرا إلى خبث المال الذي لا تدفع زكاته المفروضة:
المال الذي لا تدفع زكاته والذي لا ينفق منه على الفقراء ولا ينتفع به المساكين والأيتام والأيامى، يعتبر من أسقط الأموال وأقلها قيمة عند الله، ولا قيمة لمثل هذا المال في الحقيقة، ولا يعتبر نعمة بل هو لعنة من الله، وهذا المال يكون لصاحبه وبالا وعذابا يوم القيامة . قال الله تعالى: “يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ”. قال النبي صلى الله عليه و سلم: “تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم تعط فيها حقها تطؤه بأضلافها وتنطحه بقرونها وقال ومن حقها أن تحلب على الماء”. قال: “ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت”.
واستنكر فضيلة الشيخ الإسراف في تزيين البيوت وتجميلها كأحد أهم المواضع التي يسرف فيها المال قائلا: المال أمانة من جانب الله تعالى كما أن أعضاء الجسم كل واحدة منها أمانة بيد الإنسان، فلا نخون الله في هذه الأمانات بارتكاب المعاصي، فالمال أعطاه الله لننتفع به ولا نسرف فيه، ومن أهم مواضع الإسراف المبالغة في تزيين المساكن وتجميلها والتكلف في صنعها، مع أن هناك حاجات ماسة أخرى لإنفاق تلك الأموال فيها.
وأشار سماحته إلى مواقف بعض الصحابة عند نزول آية “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ” قائلا: عندما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين”. فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يتلو الآية في الصلاة فأشار فيها إلى جارية له بالتحرير. وإن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اشترى جارية فأعتقها ليكون قد عمل بهذه الآية. والصحابة رضي الله عنهم كانوا أسرع الناس في فعل الخيرات، وما كانوا يؤخرون عبادة لوقت آخر، وكانوا أكثر الناس التزاما بأحكام الشريعة.
وأضاف فضيلة الشيخ: المال متعرض لأخطار عديدة من الهلاك والفساد، والمصرف الثاني للمال تعرض صاحبه للموت وانتقال المال إلى الورثة. والمصرف الثالث هو صاحب المال نفسه يأكل من ماله وينفق منه على نفسه ويدخر لآخرته. أحق الناس بالمال صاحبه. ومن العجب أن الناس يبخلون على انفسهم، فعندمت نموت ماذا ينفعنا بعد الموت سوى ما تصدقنا على أنفسنا.
هذا شهر شعبان المعظم وهو شهر التزكية والإصلاح وشهر الهداية. بادروا فيه بتأدية زكاة أموالكم. ووصيتي لكم أن لا تؤخروها إلى رمضان، فنحن لا ندري متى يتدراكنا الموت فنسرع في فعل الخيرات ونعزم على دفع زكاة أموالنا.