- سني أون لاین - https://sunnionline.us/arabic -

خطبة الجمعة 5 رمضان 1429

فضيلة الشيخ عبدالحميد حفظه الله

فضيلة الشيخ عبدالحميد حفظه الله

تطرق سماحة الشيخ عبدالحميد حفظه الله في خطبته يوم الجمعة إلی موضوع "أهمية الصيام"، وأشار في القسم الأخير من خطبته إلی تعيين محافظ جديد لمحافظة "سيستان وبلوشستان" وأوصاه بمراعاة الأمور والمسائل التي تقوّي الأخوّة الإسلامية.

بدأ فضيلة الشيخ عبدالحميد أمام وخطيب الجمعة لأهل السنة بمدينة زاهدان خطبته يوم الجمعة بتلاوة هذه الآية الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام  كما كتب علی الذين من قبلكم لعلكم تتقون»، ثم توجّه إلی المستمعين قائلا: إن الله تعالی رحيم ورئوف بعباده كما هو كريم بالنسبة إلی خلقه، فإننا نری كيف جعل الأمهات عطوفة رحيمة بنا، وقد جعل النبي صلی الله عليه وسلم أرحم وأعطف بكثير من الوالدين. قال الله تعالی: «عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رئوف رحيم». فإن نفعه وخيره صلی الله عليه وسلم أكثر لنا من أنفسنا.

وأضاف قائلا: إننا لا نريد خيرنا وصلاحنا كما يريد ذلك لنا سيدنا ونبينا محمد صلی الله عليه وسلم  فهو أولی بنا من أنفسنا.

وتابع بالقول: لما خلق الله تعالی الأبوين جعل حظا كبيرا من الرحمة والعطوفة في قلوبهما، وكذلك ترك مقدارا عظيما من الشفقة والرحمة في قلب سيد المرسلين، إذا فكم هو مدی رحمته وعطفه علی العباد.

وأردف سماحته قائلا: إنه تعالی أعطانا الحياة وقضی حاجاتنا دون أن نطلبها منه، فهو الرب الرحيم الذي ينزل علينا الغيث والأمطار التي جعل في كل قطرة من قطراتها رزقا لنا، والذي ينزل الثلج علينا برحمته الخاصة، فكم هو رفيق بنا ورحيم علينا، فلا تحسبوا أن هذا الرب الرحيم إنما أمركم بالصيام ليلقيكم في المشكلة والصعوبة أو قلت نفقاته وأرزاقه العياذ بالله. كلا! بل هو أرحم الراحمين وله خزائن السماوات والأرض ولن تنفد خزائنه بالإنفاق علينا وأن يرزق عباده،  بل اقتضت رحمته أن يجعلنا في العطش والجوع في كل سنة مرة لنعرف قدره وقيمة نعمه عزوجل.

وأضاف فضيلته: إن الانسان مركب من الروح والجسد، وهو موجود ذو البعدين المشتمل علی البعد الحيواني والبعد الروحي الذي يتصف به الملائكة، لأجل هذا يوجد فرق كبير بينه وبين سائر الحيوانات، فهو يشبه الملائكة من جانب كما هو مشابه للحيوانات في كثير من الصفات من جانب آخر، وإن الله تعالی أمرنا بالصوم يريد بذلك أن يقوّي فينا البعد الروحي ويزكي المادة الفاسدة الموجودة في قلوبنا  ويقربنا بالملأ الأعلی.

إن شهر رمضان روضة من رياض الجنة المعنوية وهو ربيع القرآن الذي هو أكبر نبراس ودستور للإنسانية وهو كلام الله الذي تبين فيه كل شيء وتكلم الله  فيه مع عباده، فإن الذي يقرأه الحافظ في الواقع كلام الله وليس كلام ذلك الحافظ كما نزعم.

إننا لو قمنا بتفحص كتب جميع المكاتب الرئيسية في العالم لن نجد لهذا الكتاب العظيم مثيلا ولا نظيرا.

مع الأسف نحن معشر المسلمين ابتعدنا عن هذا الدستور الأساسي لحياتنا. فلما سمعت الجن تلاوة النبي صلی الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض: أنصتوا، وقد تأثروا بكلام الله وأسلموا.

 يقول الله تعالی: «قلْ أُوحِيَ إلی أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا   يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا».  

فالقرآن آخر كلام لله تعالی تحدث فيه مع الأنسانية وآخر فرصة أعطيت لها وآخر رسالة الله للبشر، وهومكون الإنسان ورسالة الحب والعطوفة والخير والسعادة للعالم كله، وهذا الشهر هو شهرالقرآن.

هناك مناسبة بين القرآن والصيام، فلما أنزلت التوراة قال الله تعالی لموسی أن يصوم  ثلاثين يوما. قال الله تعالی: «وواعدنا موسی ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر».  

فلما أحب الله هذه العبادة منه أمره أن يكمله بعشرة أيام  وهذه المناسبة موجودة بين الصوم وجميع الكتب السماوية. قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: "اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إلیهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا قَالَ وَتَدْرِي مَا ذَاكَ قَالَ لَا قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إلیهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ الْهَادِ وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ".

انظروا كيف أصبحت الملائكة يسمعون كلام الله متأثرين، فعلينا بقراءة القرآن في ليالی رمضان والصيام في أيامه.

 واستطرد فضيلته قائلا: مع الأسف إن كثيرا من حفاظ القرآن الكريم وأئمة المساجد لا يراعون الطمأنينة في الصلاة بل يؤدونها مستعجلين لإنهاء الصلاة، بل تجب مراعاة كل ذلك وأداء الركوع والسجدات والوقفات بين السجود بشكل صحيح ويقرأ القرآن بهدوء ليجد المتأمل فرصة التأمل في معناه ومفهومه وأن تكون الصلاة صلاة جامعة كاملة.

إن هذا الشهر شهر العبادة والصلاة وموسم القرآن وتلاوته وشهر التوبة والإنفاق لننفق من أموالنا حتی ينفق الله علينا.  قال ابن عباس رضي الله تعالی عنه: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

يفهم من الحديث أنه لا بد من الزيادة في الطاعات والعبادات باقتراب الأجل وهذا الشهر فرصة ذهبية للفرار إلی الله تعالی والتحرك إلیه والمسابقة إلی الرب الغفور الرحيم الذي لا ند له  ولا مثيل له في الجود والكرم والعطاء والعفو ولنقدر هذه الفرصة بتقليل سائر الأعمال والمشاغل الدنيوية ونقوم بتعطيل معاصينا وذنوبنا، ولا بد أن تعطل المعصية وكل ما خالف الشرع، فهو معصية وإن مصير المعصية إلی النار؛ والطاعة والعبادة مصيرها إلی الجنة، فعلينا أن نسد سبيل النار وطريقها.

لقد جاءنا شهر التعظيم والاحترام إلی تعالیم القرآن والسنة وقد حرم القرآن اقتراف جميع الذنوب والمعاصي فنكون حذرين من المعصية في شهر رمضان؛ ولا فائدة في صومنا أن نصوم ولا نهتم بترك المعاصي والذنوب.

وأضاف فضيلته قائلا: إن صنوف المعاصي من الكذب والغيبة والنميمة والتجسس قد كثرت في حياة الإنسان الیوم، وإن منها معاصي لا يكفرها رمضان ولا الحج و لا ليلة القدر كالنفاق والرياء والنظر إلی ما حرم الله تعالی، فكثير من الناس يصومون رمضان وهم مع ذلك يتفكرون كيف يوقعوا إخوته المؤمنين في المعاصي وما نهى الله تعالی عنه ويتجسسون في أحوال الناس الشخصية. ومن الناس من هم  صيادون ولكنهم لا يصطادون طيرا  ولا دابة بل يصطادون أعراض الناس وحرماتهم وعزتهم وكرامتهم.

إن الذنوب والمعاصي لها درجات، منها ما لا تزول إلا بالتوبة الخالصة الصادقة كالحسد والتكبر والخيلاء، فجاءتنا فرصة الاستغفار والإنابة وهي شهر الرحمة الإلهية والتضرع والبكاء والتوجه إلیه وشهر حفظ الله عزو جل بحفظ تعالیمه وأحكامه وأن يكون تعلق كل واحد منا معه فيرعانا الله ويحفظنا حينئذ.

هذه من رحمة الله الواسعة حيث أدركنا هذا الشهر، وهذه الرحمة قد وسعت كل مكان وزمان، فأينما رفعتم أيدي التوبة والندامة ستنزل عليكم الرحمات، فمن الضروري أن ننتهز هذه الفرصة القيمة، وأنا أوصي الشباب – وان الشباب الصالحين هم أسباب العز والكرامة والفخر لنا ولآبائهم – بالتوبة والإنابة والمشاركة في التروايح ليالی رمضان، وقد جاءتنا بشرى كبيرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وفي رواية من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». لقد فسر القيام في هذه الأحاديث بصلاة التراويح، وإضافة  إلی التراويح نواظب علی صلاة التهجد.

علينا أن نواظب علی هذه كلها بل نزيد ما استطعنا من النوافل في أي وقت شئنا سوی الأوقات المكروهة، فإن للصلاة النافلة مجالا واسعا.

 وأكد فضيلته علی ضرورة التبرع إلی المدارس الدينية قائلا: إن تبرعاتكم هي المورد الوحيد لمصارف هذه المدارس وإنها لم تتلق ريالا واحدا من الخارج كما يزعم البعض.

وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد في القسم الأخير من خطبته: سمعنا خبر تعيين المهندس "آزاد" كمحافظ جديد لهذه المحافظة بعد أن ظلت بغير محافظ مدة طويلة وانه سيصل المحافظة غدا مع وزير الداخلية.

وأضاف قائلا: من المناسب أن ألفت نظركم إلی عدة مطالب بالنسبة إلی هذه المسئلة لعلها تكون مفيدة ونافعة لأهل المحافظة والدولة.

لا شك أن هذه المدة التي فوضت رئاسة محافظتنا إلی شخص من أبناءها (من السيستانيين الشيعة) كانت من أظلم أدوارها، وكانت هذه السنوات المليئة بالمشاكل  التي قضيناه وقضاها شعبنا من أسوأ السنوات التي رأيناها في حياتنا. لا أقول إن هذه المشاكل والمصائب مختصة بالبلوش في هذه المحافظة بل هي تعم سائر الأقليات المقيمة هنا وكذلك مجموعة كبيرة من السيستانيين الذين كان المحافظ السابق منهم، ولكن أهل السنة والبلوش شعروا في ظل رئاسة ذلك الرجل أن لهم النصيب الأكبر والقسم الأوفر من هذه المشاكل والمصائب، وقد تضرر بسياساتها الشعب وكذلك الدولة، بناء علی هذا نحن نتفاءل بالخير قدوم المحافظ الجديد للمحافظة.

وأردف فضيلته قائلا: إن المحافظ الناجح في وجهة نظري ليس من ينقطع إلی الأمور العمرانية في المحافظة فحسب، فإن هذه الأمور شعبة واحدة من جانب نشاطاته، بل المحافظ الناجح من يستطع أن يزيد في ارتباط الناس بالحكومة المركزية ويبعث في قلوب شعبه الأمل والرجاء، وكذلك ممثل القائد الناجح أو النائب الناجح في مجلس الشعب من يدافع عن حقوق الناس، لا من يتفكر في آماله الدنيوية ومستقبل أبناءه الدنيوية ويرجح مصالحه علی مصالح الشعب، بل إذا رأى الشعبَ في مواجهة مشكلة يقوم برفع صوته في بيت الشعب وهو البرلمان.

واستطرد قائلا: إن أكبر مشكلة وجدت لنا في نهاية رئاسة المحافظ السابق هي تخريب مدرسة الإمام أبي حنيفة الدينية، وإننا لن نغفر ولن نعفو عاملي هذه الجريمة النكراء أبدا، فلا بد أن تملأ هذه الثغرات وتدوای هذه الجراحات التي وجدت طيلة هذه المدة.

وقال أيضا: إن شعبنا حسب معرفتي بهم شعب لا تغلب المشاعر عقولهم وأفهامهم وإنهم يميزون بطريقة جيدة بين من يخدمهم ومن لا يريد ذلك وهم أناس أذكياء فطنين، فكل من سوی في النظر بين الجميع يعرفون قدره جيدا، فيجب أن تحل هذه المشاكل وتراعى تلك الأخوّة والمساواة ولا يتدخل أحد في أمور مذهب غيره وأن يبقى للمذهب استقلاله في بلادنا و تترك الأمور المذهبية مفوضة كما كانت إلى أهلها.

فعندما ندّعي الأخوّة والوحدة لا بد أن ندفع إلی القضايا والأمور التي تقوّيها، ونتجنب كل ما يخل بها.

ونصح سماحته جميع النواب الحاضرين ورؤساء القبائل والمثقفين بأن يشعروا بالمسئولية لحل هذه المشاكل فإنها مسائل ومشاكل تحمل الضرر والخسران للجميع،  وقال سماحته في مؤخر خطبته: إن الطريق الوحيد لحل مشكلة مدرسة عظيم آباد هو التفاوض لا غير.