تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، في خطبة الجمعة 18 محرم 1448، بعد تلاوة قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]، إلى المعاني الواسعة للجهاد في سبيل الله، مبينًا أن من أبرز صوره: مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن الحق، والتصدي للذنوب والآفات الاجتماعية.
وتابع فضيلته قائلا: لقد أمر الله تعالى المسلمين أن يجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم، وأن يتمسكوا بالحق وينشروه في المجتمع. يظن كثير من الناس أن الجهاد يقتصر فقط على قتال المعتدين والمحتلين وغير المسلمين الذين يتصفون بالاستكبار ويعتدون على حقوق الآخرين، والحال أن هذا ليس إلا صورةً واحدةً من صور الجهاد، أما مراتبه فهي أوسع وأعظم من ذلك.
وأكد أن مجاهدة النفس الأمارة بالسوء هي أعظم أنواع الجهاد، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: «والمجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعةِ الله». واستطرد قائلا: إن أعظم المجاهدين وأكبر الفاتحين هو من انتصر على نفسه الأمارة بالسوء وقهر شهواتها، وهذا الجهاد واجب على الإنسان ما دام حيًا، فيكفّ نفسه عن الظلم والتعدي على حقوق الناس، ويسير بها على هدي القرآن وسنة رسول الله ﷺ.
يمكن للمرء أن يكون مجاهدًا وهو في بيته
وأضاف أن الالتزام بأحكام الله وطاعة الله تعالى ورسوله ﷺ هو أعظم الجهاد، فالنفس الأمارة تمنع الإنسان من أداء الزكاة؛ فقد يرزق الله أحدهم أربعين مليار تومان، ثم يشق عليه إخراج مليار واحد زكاة، مع أن هذا المبلغ قليل بالنسبة لما أنعم الله عليه به، ولو أدى الزكاة لنال الأجر ورضا الله، ولحلَّت البركة في ماله.
وأشار فضيلته إلى أن من يسهر الليل كله ثم ينام قبيل أذان الفجر حتى تفوته صلاة الصبح، فإنه لم يجاهد نفسه، ولذلك فإن ميدان الجهاد يبدأ من داخل البيت، ومن خلال الالتزام بأوامر الله، فيستطيع المسلم أن يكون مجاهدًا وهو في منزله.
السهر ليلًا والنوم نهارًا آفة ابتُلي بها مجتمعنا
وأعرب فضيلة الشيخ عبد الحميد عن أسفه لانتشار السهر في المجتمع، وقال: إن النوم بعد صلاة العشاء من السنة، وكان رسول الله ﷺ يحث أصحابه على النوم مبكرًا، ثم القيام في الثلث الأخير من الليل للصلاة والعبادة.
وأضاف: إن السهر في الليل والنوم في النهار أصبح من البلاءات التي أصابت مجتمعنا، فكثير من الشباب يقضون الليل منشغلين بالهواتف المحمولة ثم ينامون نهارًا، مع أن النوم المبكر يوافق الفطرة السليمة ويساعد على الوقاية من الأمراض النفسية والجسدية، بينما يؤدي النوم نهارًا إلى كثير من المشكلات الصحية.
كما أشار فضيلته إلى أن كثيرًا من الناس يتناولون الطعام في أوقات مخالفة للفطرة؛ فالطعام إذا أُكل في وقته المناسب كان نافعًا للجسم، أما تناوله في منتصف الليل فيؤدي إلى أمراض المعدة وغيرها، وأضاف أن النوم نهارًا يسبب نقص البركة في الرزق ويحرم الإنسان من متعة الحياة، داعيًا الجميع إلى محاربة هذه الظاهرة.
التربية الصالحة خير ما يورثه الآباء لأبنائهم
ووجّه فضيلته نصائح للآباء والأمهات، فقال: لا تجعلوا السهر عادةً تورثونها لأبنائكم، فإذا نمتم مبكرين وابتعدتم عن الانشغال بالهواتف ليلًا، سيقتدى بكم أبناؤكم.
وأضاف: إن أعظم ميراث يتركه الوالدان لأبنائهما هو التربية الصالحة، فعلموهم الصدق والوفاء، وربّوهم على تجنب الكذب، ونقض العهود، وإيذاء الناس، وأكل أموالهم بالباطل، فإذا كان الوالدان صادقين مستقيمين نشأ الأبناء على الاستقامة، أما إذا اعتاد الوالدان الكذب أو الإجرام أو سوء الخلق، فإن الأبناء ينشؤون على تلك الأخلاق.
لا يجوز الدفاع عن السارق أو المجرم
وأكد فضيلة الشيخ عبد الحميد على أن من صور الجهاد أيضًا الدفاع عن الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: يجب على كل إنسان أن يقول كلمة الحق بحسب استطاعته، ولو كانت على نفسه أو على أقاربه، كما لا يجوز المبالغة في مدح المسؤولين أو الثناء عليهم بغير حق، فإن الله تعالى لا يرضى بذلك.
وشدد فضيلته على أن الدفاع عن السارق أو الخاطف أو المجرم أو مرتكب الجرائم أمر لا يجوز شرعًا، ولا ينبغي أن يحمل الإنسان قرابته للمجرم على الدفاع عنه.
وختم فضيلته هذا الجزء من كلامه بقوله: إن الدفاع عن البريء أمر محمود، أما إذا دافع العالم أو كبير القوم أو الأب أو الأم أو أحد الأقارب عن المجرم، فإنه يكون شريكًا له في الإثم، واستشهد بقصة المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ، فلما شفع بعض الناس لها حتى لا يقام عليها الحد غضب رسول الله ﷺ وقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
«غياب الاستقرار السياسي» هو السبب في «عدم الاستقرار الاقتصادي»
أشار فضيلة الشيخ عبد الحميد في الجزء الثاني من خطبته إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، مؤكداً أن غياب الاستقرار السياسي هو السبب الرئيس لعدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، ودعا فضيلته إلى التخلي عن السياسات السابقة التي أثبتت عدم جدواها، واعتماد سياسات وآليات جديدة تتناسب مع الظروف الراهنة.
أعظم واجبات الحاكم إقامة العدل
وقال فضيلة الشيخ عبد الحميد: إن الجهاد لا يقتصر على قتال المعتدين والمحتلين، بل إن إقامة العدل بالنسبة لأصحاب السلطة والحكم هي أعظم أنواع الجهاد، ولا يوجد واجب أو فريضة على الحاكم أهم من تحقيق العدالة.
وأضاف: ينبغي للحاكم أن ينظر إلى جميع أبناء شعبه بعين المساواة، ويحرم عليه تحريماً قاطعاً أن يتجاوز العدل أو يمارس التمييز؛ فالتمييز وعدم المساواة يتعارضان مع تعاليم الإسلام، كما أن العدل والإنصاف وضمان حرية القلم والتعبير من المبادئ التي أكد عليها الدين الإسلامي.
وقال خطيب أهل السنة في زاهدان: إن المجتمع الذي يفتقد إلى النقد البنّاء يسير نحو الفساد وينحرف عن الطريق الصحيح، وعلى الحاكم والمسؤولين أن يرحبوا بالمنتقدين والناصحين، ولا سيما الأكاديميين والعلماء والنخب، كما ينبغي للعلماء وأساتذة الجامعات وكبار القوم ووجهاء المجتمع أن يقولوا كلمة الحق ويسعوا إلى الإصلاح.
ووجّه فضيلته حديثه إلى المسؤولين قائلاً: استمعوا إلى آراء المخلصين وأهل الخبرة، وتشاوروا معهم، ودعوا الناس يعبرون عن آرائهم، ولا تستدعوا المنتقدين أو تعتقِلوهم.
وأضاف: لا تصدروا حكم «المحارب» بحق الذين احتجوا على الأوضاع الاقتصادية أو غيرها من مشكلات البلاد، فذلك ليس صواباً، فمصطلح «المحاربة» الوارد في القرآن الكريم له معنى محدد، وأصح تفسير له هو الفهم الذي كان عليه رسول الله ﷺ، والخلفاء الراشدون في تفسير الآية الكريمة.
السياسات السابقة لم تحقق النتائج المرجوة؛ ولا بد من اعتماد سياسات وآليات جديدة
وفي ختام كلمته تطرق فضيلة الشيخ عبد الحميد إلى المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها المواطنون والبلاد، فقال: إن الأزمات الاقتصادية تستفحل، والعملة والاقتصاد يعيشان حالة من الاضطراب وانعدام الاستقرار، والسبب في ذلك هو غياب الاستقرار السياسي.
وأضاف: إذا تحقق الاستقرار السياسي، وسادت العدالة والإنصاف، وسارت سياسات الدولة في الاتجاه الصحيح، فإن جميع القضايا، بما فيها الاقتصاد، ستنعم بالاستقرار، ولن تواجه البلاد اختلالات في أي قطاع.
وأكد خطيب أهل السنة في زاهدان أن التجربة أثبتت عدم جدوى السياسات السابقة في تحقيق النتائج المرجوة، داعيًا إلى التخلي عن السياسات والقوانين التي أثبتت فشلها، واعتماد سياسات وآليات جديدة تتلاءم مع الظروف الراهنة وتلبي تطلعات المواطنين.
وأضاف أن أهم مسؤولية تقع على عاتق مسؤولي البلاد في المرحلة الحالية تتمثل في معالجة المشكلات الداخلية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب الإيراني.