- سني أون لاین - http://sunnionline.us/arabic -

ترجمةُ حياة العلّامة دين محمد (نجم الدين) الدُّرّكاني رحمه الله

وُلِدَ العلامة دين ‌محمد دُرّك‌زهي (نجم الدين محمد الدُّرّكاني) في أواخر 1366 من الهجرة في أسرةٍ متديّنة بقرية «ماهيني» من نواحي «قَلعة‌ بيد» التابعة لمدينة زاهدان. كان اسم والده «رسول»، ولم يكد يمضي على عمره أكثر من عامين حتى فقد ظلَّ والده، فتولّت والدته الصالحة كفالته وتربيته.
كانت أسرته في غاية الفقر، فلم يتمكّن في طفولته من الالتحاق بالتعليم، واضطر في بدايات حياته إلى العمل مجانًا لدى الجيران والأقارب، وكانوا أحيانًا يُقدّمون له بعض المساعدات.
وفي سنة 1380 وهو في الرابعة عشرة من عمره، توجّه إلى «بمبور» وعمل راعيًا للغنم مقابل خمسين تومانًا في السنة، وقضى عامين كاملين في الرعي، وفي نهاية سنة 1381 سافر لزيارة والدته إلى «كوهرکوه» التابعة لمدينة خاش، ثم عمل عند عمّه راعيًا للغنم مقابل سبعين تومانًا في السنة.
ولم تمضِ فترةٌ طويلة حتى لبّت والدته نداءَ ربّها وانتقلت إلى جواره، وفي تلك السنة شاء الله أن يرسم له طريق حياته، إذ قدم إلى «كوهرکوه» الداعية الملا “دُرّمحمد قلندرزهي” للدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى التوحيد وترك البدع والشرك، كان أكثرُ أهلِ القرية غيرَ راضين عن وجوده، غير أنّ الله أرسله – فيما يبدو – ليأخذ بيد الشيخ دين محمد، الذي قضى سنواتٍ في الرعي، فيهديه إلى نور العلم، ويضع الأساسَ لحياته العلمية.
قال الملا دُرّمحمد للشيخ دين‌محمد: «لماذا تعمل للناس؟ اذهب واطلب العلم لتتعلّم شيئًا من الدين»، وكان الملا دُرّمحمد يعلّمه ليلًا – بعد فراغه من أعمال النهار – الصلاة، والأدعية، والأذكار، حتى تولّد في قلبه شغف طلب العلم واستعدّ للسير في طريقه.

بداية طلب العلوم الشرعية
توجّه الشيخ “دين ‌محمد درك ‌زهي (نجم الدين محمد الدُّرّكاني)” من «كوهرکوه» إلى زاهدان ومعه قطعة خبز، وخمسة عشر تومانا، ورسالة توصية من الملا دُرمحمد، فالتحق بحلقة درس الشيخ يارمحمد ريغي رحمه الله – أستاذ الحديث في دار العلوم بزاهدان سابقا– في مسجد «سيد حاجي»، ولازم درسه مدة عام، ثم انتقل إلى «سراوان» والتحق بمدرسة العلامة “شهداد مسكان‌زهي”، فدرس هناك «البوستان» و«الكلستان» و«كليلة ودمنة». لكنه لم يلبث طويلًا حتى مرض، فنُقل إلى زاهدان على نفقة المدرسة، وتلقّى العلاج حتى شفاه الله بفضله وعنايته.

الرحلة إلى باكستان
في سنة 1386 هـ.ق سافر الشيخ “نجم الدين محمد الدُّرّكاني” إلى باكستان مع طالب آخر يُدعى «عبدالله غمشادزهي»، دون زادٍ ولا مال، ولم يكن معه سوى خمسة تومان جمعها بعرق جبينه. وبعد معاناةٍ شديدة، وصل إلى مدينة «كويته»، عاصمة إقليم بلوشستان، وحضر دروس عدد من العلماء، منهم: الملا محمد أنور، والشيخ عبد الحي البراهوئي، والقارئ غلام نبي، والقارئ محمد أسلم رحمهم الله، فأتم المرحلة الابتدائية متوكّلًا على الله تعالى.
وفي سنة 1388هـ.ق انتقل إلى «دار الهدى تِيري» في إقليم السند، ودرس كتبًا مثل «مختصر القدوري» و«هداية النحو» على أيدي علماء، منهم: الشيخ إمداد الله، والشيخ عبد القادر، والشيخ محمد أمين، والقارئ عزيز أحمد.
وفي سنة 1389هـ.ق توجّه إلى المدرسة الدينية «مخزن العلوم» في «خانفور» التابعة لمدينة رحيم يار خان بإقليم البنجاب، ولازم الشيخ “عبدالله الدرخواستي”، فدرس في العلوم الظاهرة كتبًا مثل «كنز الدقائق»، و«الكافية»، و«أصول الشاشي»، وبدأ في العلوم الباطنة مرحلة الطلب. وبعد نهاية السنة الدراسية توجّه إلى «دين‌فور» ولازم الشيخ عبد الهادي مدة شهر ونصف، فكان لذلك أثرٌ عظيم في نفسه، مما دفعه إلى التوجّه إلى الشيخ العلامة “عبد الغني الجاجروي” رحمه الله، فبايعه في التاسع من ذي الحجة سنة 1390هـ.ق.
وفي سنة 1390هـ.ق التحق بمدرسة «إحياء العلوم» بمدينة «ظاهربير» في إقليم البنجاب، وانتفع من دروس علماء، منهم الشيخ محمد منظور، والشيخ الحافظ عبد الكريم. وفي مطلع سنة 1391 انتقل إلى «بدر العلوم» في مدينة «رحيم يار خان»، ولازم شيخه ومرشده الداعي إلى التوحيد، العلامة عبد الغني الجاجروي مدة أربع سنوات، فدرس العلوم الظاهرة والباطنة.

العودة إلى الوطن
بعد عشر سنوات من الغربة، توّج فضيلة الشيخ دين ‌محمد (نجم الدين محمد الدُّرّكاني) بعمامة التخرّج على يد شيخه العلامة عبد الغني الجاجروي، وعاد إلى وطنه محمّلًا بالعلم والمعرفة. وبمشورة فضيلة عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة في مدينة زاهدان، وسائر العلماء، وبقصد العمل بسنة النبي ﷺ وتحقيق معنى «زكاة العلم نشره»، أسّس مدرسة «تعليم القرآن» في قرية «لعل‌آباد» بـ «كوهرکوه» في 20 ذي القعدة 1394 داخل مسجد القرية.
وكان بجوار المسجد غرفة، فحوّلها إلى سكنٍ، يدرّس نهارًا القرآن والعلوم الشرعية، ويبيت ليلًا مع الطلبة فيه. ورغم سعة المنطقة وكثرة خيراتها، لم يكن هناك دعمٌ يُذكر، فعمل ستة أشهر في مشقّة شديدة؛ إذ كان يقطع أكثر من أربعين كيلومترًا إلى قرية «جاه أحمد» لجمع الحطب ونقله على الجمال للوقود والخبز. وأخيرًا، وبسبب الضائقة المالية، أُغلقت المدرسة. بعد إغلاق الكُتّاب والمدرسة، توجّه إلى قرية «قلعة‌بيد»، وعمل مدة ثلاث سنوات في التدريس في كُتّابٍ صغير كان يُديره أستاذه الشيخ شيرمحمد.

تأسيس مدرسة «تعليم القرآن» شورشادي
وفي ذي القعدة سنة 1398هـ.ق، وبالتعاون والدعم من شخصيةٍ خيّرة ومحبّة للثقافة تُدعى «الحاج دادخدا شه‌بخش»، أسّس مدرسةً باسم «تعليم القرآن» في قرية غريب‌آباد بمنطقة «كورين»، ثم نُقلت بعد مدة — باقتراح من الحاج دادخدا — إلى قرية «شورشادري».
وقد تخرّج فيها مئات الطلاب من شتى أنحاء إيران والبلاد المجاورة، ونهلوا من معين علوم الوحي الصافي. وتعمل المدرسة بنظام داخلي في حفظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية للطلاب والطالبات.

صفاته وأخلاقه
كان التواضع من أبرز صفات العلامة الفقيد نجم الدين محمد الدُّرّكاني رحمه الله، وكان يطلب رضا الله في كل أموره، لا يفرحه مدح الناس ولا يحزنه ذمّهم، وكان مضرب المثل في الحلم والصبر، يعامل جميع فئات المجتمع – من عوام وعلماء وطلبة – بالرفق واللين. عُرف بعلوّ همّته، حتى أوصلته من الرعي إلى مرتبة الأستاذية.
أولى الكتاب والمطالعة عناية فائقة، إذ ضمّت مكتبته الخاصة أكثر من ثلاثة آلاف مجلد في التفسير والحديث والفقه والسيرة والتاريخ والأدب والتزكية، وكان يتحمّل مشاق السفر لأشهر من أجل كتابٍ واحد؛ ومن ذلك رحلته إلى لاهور لاقتناء كتاب «مفتاح العلوم» شرح المثنوي المعنوي.

مؤلفاته
معظم مؤلفات العلامة نجم الدين محمد الدُّرّكاني رحمه الله باللغة العربية، ومن أبرزها:
-التلقيح: تلخيص لكتابَي «التوضيح والتلويح» شرحًا على «التنقيح».
-فتح القريب: شرح على «التقريب» للإمام النووي رحمه الله.
-سيرة الأئمة الأربعة: أُلّف للتدريس في المناهج المعتمدة.
-مختصر الحصون: تلخيص «الحصون الحميدية» في العقيدة.
-تلخيص نور الأنوار في أصول الفقه.
-القول الأظهر: شرح «الفقه الأكبر».
-شرح العقيدة الطحاوية.
-مقدمات حول علم الفقه.
-تلخيص الهيئة في علم الفلك.
-ترتيب شرح عقود رسم المفتي.
-تخريج أحاديث مسند الإمام أبي حنيفة.

الوفاة
انتقل العلامة “نجم الدين محمد الدُّرّكاني” إلى رحمة الله تعالى – ويعتبر أحدُ أبرز العلماء والمحقّقين من أهل السنّة في إيران – يوم الأحد 1 رجب 1447هـ، بعد صراعٍ مع المرض، في أحد مستشفيات مدينة زاهدان، عن عمرٍ ناهز 78 عامًا.
وأُقيمت مراسم تشييع جنازة العلامة دين‌محمد الدرّكاني يومَ الإثنين 2 رجب 1447، بحضورٍ مهيب لجموع غفيرة من مختلف شرائح المجتمع من محافظة سيستان وبلوشستان والمحافظات المجاورة، وذلك في المقبرة المركزية لمنطقة «سرجنكل» التابعة لمدينة زاهدان.
وأُدّيت صلاة الجنازة على جثمان الفقيد بإمامة فضيلة الشيخ عبد الحميد، إمام وخطيب أهل السنة بمدينة زاهدان.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.