- سني أون لاین - http://sunnionline.us/arabic -

الإمام النسائي

قلعة مدينة نسأ

قلعة مدينة نسأ

قيل: إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره، عليه قلنسوة وقباء، وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف أن يكون عينا عليه، فمنعه، فكان يجئ فيقعد خلف الباب ويسمع، ولذلك ما قال: حدثنا الحارث، وإنما يقول: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.

 

 

 ************************************

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على خير رسل الله.
 وبعد:
كان التأليف قديما أي في القرن الأول يتجه إلى جمع الحديث ممزوجا بأقوال الصحابة والتابعين.
فصنفت مسانيد نذكر منها: مسانيد عبيد الله بن موسى العبسي، ومسدد، وأسد بن موسى، واقتفى أثر هؤلاء جماعة من الأئمة على رأسهم أحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة.
وأصحاب المسانيد هذه كانوا من نقدة الحديث صيارفة الرجال, والتزموا على أنفسهم أن يجنبوا كتبهم الأحاديث الموضوعة.
ثم طبيعة التطور استلزمت وجود طبقة تلي هؤلاء الأئمة.
وهم طبقة أصحاب الصحاح وما بعدهم.
و يرجع الفضل في الاهتمام بالرجال، والبحث عنهم، والتنقيب عن أخبارهم، والحكم على كل من تعرض لميدان الحديث الشريف توثيقا أو تضعيفا أو ما بينهما، والتشدد في ذلك إلى درجة بالغة هو الإمام يحيى بن سعيد القطان.
وخطا من بعده تلامذته الكبار خطوات بناءة. في مقدمتهم: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل.
و هذه الطبقة التي فيها أصحاب الصحاح، عنيت عناية خاصة برجال الحديث، وأفردت لها كتبا ومؤلفات، عرفت بالرجال، وسجلت حكم هؤلاء الأئمة، كما حفظت لنا آراء من سبقهم أو عاصرهم، ووضعت كل راو في طبقة وبين أقرانه، ورفعت عنه غوائل الجهالة ما استطاعت، فعرفت كل راو بشيخه ومن روى عنه.
من هؤلاء أبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، والنسائي, والترمذي.
وكان من عناية هؤلاء الأئمة أن يجمعوا حصيلة بحثهم ودراستهم عن الرجال فيفردون للثقات كتبا كما يفردون للضعفاء كتبا أخرى.
و لم تكن هذه الكتب تعني مجرد سرد الأخبار وتصنيفها، إنما هي أحكام في غاية الدقة والتمحيص الشديد والتحري الزائد، إذ كانوا يراقبون الله في كل لفظة.
اسمه ونسبه:
 الإمام النسائي: هوالإمام, الحافظ, الثبت, شيخ الإسلام, ناقد الحديث, أبو عبد الرحمن, أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني, النسائي, صاحب السنن.

مدينة نسا:
و نسا المدينة التي نسب إليها أبو عبد الرحمن هي إحدى مدن خراسان.
قال ياقوت عنها: بينها وبين سرخس يومان، وبينها وبين مرو خمسة أيام، وبين أبيورد يومان، وبين نيسابور ستة أو سبعة، وهي مدينة وبيئة جدا يكثر بها خروج العرق المديني، حتى أن الصيف قل من ينجو منه من أهلها.
و مهما يكن من وصف ياقوت لها، فهي تتوسط مدنا اشتهرت بمدارس العلم، ومنحت الفكر الإسلامي عددا كبيرا من العلماء في شتى ميادين الدراسات الإسلامية.

مولده:
 ولد أبو عبد الرحمن في أوائل القرن الثالث الهجري، العصر الذهبي لمدرسة الحديث.
 ولد بنسا عام 215 ه وطلب العلم في صغره شأنه في ذلك شأن الإمام البخاري، يدل على ذلك أنه قصد قتيبة بن سعيد (ت 240 ه عن تسعين سنة) وهو ابن خمسة عشرة سنة، فأقام عنده سنة وشهرين، وقتيبة حينذاك في الثمانين من عمره وهو من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري .
ولا يمكن أن يتعرض للسماع من قتيبة وهو في هذا السن وعلى هذا القدر إلا من جمع محصولا وافرا من العلم يؤهله لهذه المكانة.

شيوخه:
ولأبي عبد الرحمن شيوخ كبار غير قتيبة، فقد سمع من: إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، وسويد بن نصر، وعلي ابن حجر، ومحمد بن إسماعيل بن علية قاضي دمشق، ومحمد بن بشار، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، ومحمد بن مثنى، ومجاهد بن موسى، ومحمود بن غيلان، ويحيى بن درست البصري، وخلق كثير، وإلى أن يروي عن رفقائه.

تلاميذه:
حدث عنه: أبو بشر الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو علي النيسابوري، وحمزة بن محمد الكناني، وأبو بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، وعبد الكريم بن أبي عبد الرحمن النسائي. وغيرهم.

ملامح شخصيته وأخلاقه:
1-كان مهيبا، مليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة, مشرق اللون.
2-كان يحب العلم والترحال من أجل تحصيله, فقد جال البلاد و استوطن مصر, فحسده مشائخها, فخرج إلى الرملة في فلسطين.
3-كان يجتهد في العبادة ويواظب على الحج والجهاد.
4- وكان يصوم يوما ويفطر يوما.
5-كان له أربع زوجات وسريتان, وكان كثير الجماع, وكان يقسم للإماء كما يقسم للحرائر.
6-وكان في غاية الورع والتقى.
7-وكان نضر الوجه مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر, يتخير طعامه وشرابه، فهو يؤثر طعام الديوك تشترى وتربى له وتسمن وتخصى، ويتناول كل يوم ديكا، ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال.

مكانته العلمية:
كان من بحور العلم، مع الفهم، والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف. رحل في طلب العلم إلى خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام ثم استوطن مصر, ورحل الحفاظ إليه ولم يبق له نظير في هذا الشأن.

أقوال العلماء فيه:
– قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه.
– قال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى.
– الإمام الذهبي: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النسائي، صاحب السنن.
لم يكن أحد في رأس الثلاث مئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة.
– أبو الحسن الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
– الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمام في الحديث بلا مدافعة أبو عبد الرحمن النسائي.
– أبو عبد الله بن مندة: الذين أخرجوا الصحيح، وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو عبد الرحمن النسائي.

رحلاته:
جال في طلب العلم في خراسان، والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، و مصر.

ورعه :
قيل: إنه أتى الحارث بن مسكين في زي أنكره، عليه قلنسوة وقباء، وكان الحارث خائفا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف أن يكون عينا عليه، فمنعه، فكان يجئ فيقعد خلف الباب ويسمع، ولذلك ما قال: حدثنا الحارث، وإنما يقول: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع.
كان رحمه الله يجتهد في العبادة بالليل والنهار, ويحترز عن مجالس الحكام والأمراء.

شهامته وجهاده في سبيل الله:
اختار أبو عبد الرحمن إقامته في مصر بزقاق القناديل، يؤم مجلس علمه الذي اشتهر أعداد كبيرة من طلبة العلم، ويفد إليه علماء من شتى بقاع العالم الإسلامي.
والنسائي على نهج العلماء الكبار الذين يرون رسالتهم لا تقتصر على دراسة العلم وتدريسه بل إنه كان مع اجتهاده البالغ في العبادة لا تسنح له فرصة غزو إلا شارك فيها جهادا في سبيل الله.
ومما يذكر في ذلك أنه خرج غازيا مع أمير مصر، فوصفوا من شهامته، وإقامته السنة المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه.
وكان رحمه الله حريصا على أن يجاهر برأيه في حزم لا يعرف الالتواء، فهو لم يكن يخشى أن يواجه الناس برأيه في شجاعة نادرة، ويعتبر هذا واجبا دينيا. على سبيل المثال دفاعه عن على بن أبي طالب رضي الله عنه في الشام, ومعلوم أن أهل الشام كانوا مع معاوية رضي الله عنه, وقد جر عليه هذا كثيرا من العداءات، بل أن ذلك كان سببا في استشهاده. ولذلك قيل إن النسائي شيعي, وهذا زعم باطل لا يقبله من عنده أدنى إلمام بالرجال, وإن كان يستعمل قديما إطلاق لفظ " الشيعة " على بعض الرواة, فهذا يعني أنهم كانوا قائلون بتفضيل علي رضي الله عنه على الخلفاء الثلاثة أو على الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه فقط, لا أنهم كانوا أعداء للخلفاء الراشدين, أو يعتقدون بما يعتقد الشيعة حاليا, حاشا وكلا. ولذلك نرى أن البخاري يروي منهم في صحيحه.
ردا على هؤلاء الجهلة نقول: إن النسائي و سليمان بن مهران الأعمش وغيرهم, (الذين اتهموا بالشيعة, وبالتالي الذين تكلموا في البخاري بأنه يروي عن الشيعة) هم أصحاب الحديث, وسلفنا الذين كانوا يحبون الصحابة حبا جما, كما كانوا يحبون أهل البيت, وحب أهل البيت من الإيمان, وهذا عقيدة أهل السنة والجماعة, أنهم لا يفرقون بين الصحابة وأهل البيت, بل نقول بصراحة: من نصب العداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام فهو ليس بمؤمن.

مؤلفاته:
1 – كتاب السنن الكبرى في الحديث.
2 – كتاب المجتبى و هو السنن الصغرى, من الكتب الستة في الحديث.
3 – خصائص علي.
4- كتاب في الكنى.
5 – الضعفاء والمجروحين في رجال الحديث.
6- كتاب عمل اليوم والليلة.
7- كتاب التفسير.

ابتلاءه واستشهاده:
قال الدار قطني: " كان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه، فخرج إلى الرملة فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل.
و قد لمس من أهل الشام تعصبا لمعاوية وإيثارا للأموية وهجوما على علي بن أبي طالب، فدفعه ذلك إلى أن يصنف كتاب " خصائص علي " رجاء أن يهديهم الله به.
ولا بد أن كثيرا من الناس كان يتعرض له، ويتحرش به، وكان أبو عبد الرحمن لا يؤثر الدعة والمهادنة، بل كان على العكس من ذلك يعمد إلى الأجوبة التي تثير الخصوم وتؤجج نار الحفيظة في نفوسهم.
قيل له: ألا تخرج فضائل معاوية ؟ فقال: وماذا أخرج حديث " اللهم لا تشبع بطنه "(1) فسكت السائل.
وقد فارق النسائي مصر عام( 302 ) واتجه إلى دمشق، واجتمع الناس عليه في المسجد الجامع وأكثرهم من حاسديه، فسألوه أن يحدثهم عن فضائل معاوية، فقال: أما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل، فقاموا إليه يطعنونه في خصيته حتى أخرجوه من المسجد.
وتختلف الروايات بعد ذلك، فمن قائل إنه طلب أن يحملوه إلى مكة فسار إليها ودفن بها، ومن قائل إنه دفن ببيت المقدس.
ونقل من خط أبي عامر محمد بن سعدون البدري الحافظ أنه مات بالرملة بفلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة ودفن ببيت المقدس.
ولم تكن محاولات خصومه تقتصر على استدراجه للإيقاع به فيما يختص بعلي ومعاوية، بل إنهم كانوا يتخيرون في ذلك شعابا ودروبا كثيرة المزالق.

شدته في الجرح والتعديل:
وقد علمت أن له شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم، فأبو عبد الرحمن يذكر من بين جماعة المتشددين في حكمهم على الرجال كأبي حاتم وابن معين وابن القطان ويحيى القطان وابن حبان وغيرهم، فهؤلاء معروفون بالإسراف في الجرح.
و كثيرا ما أشار إلى ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب والذهبي في الميزان.
وقد قسم الذهبي الذين تكلموا في الرجال أقساما:
 أ –  قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر: هل وافقه غيره على تضعيفه..إلخ.
ويستكمل الذهبي الكلام عن هذا القسم ثم يقول: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، ولهذا كان مذهب النسائي أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
ب – وقسم منهم متسامح كالترمذي والحاكم.
ج – وقسم منهم معتدل كأحمد والدار قطني وابن عدي.
وحكي ابن منده عن الباوردي قوله – كما نقل ذلك السيوطي -: كان مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.

ولكن ابن حجر في نكته على ابن الصلاح يفسر ما حكاه عن الباوردي بأنه أراد بذلك إجماعا خاصا.

و ذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط.
فمن الأول: شعبة وسفيان الثوري وشعبة أشد منه.
و من الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه.
ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد.
ومن الرابعة، أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري.

فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلا فلا يترك، لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقل.
قال الحافظ: وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي وتجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين.

 

الكاتب: الشيخ عبدالحميد نور

 

__________
(1) هو في " مسند الطيالسي " برقم (2688) من طريق أبي عوانة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنه يأكل، ثم بعث إليه صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا أشبع الله بطنه ".

المراجع :
كتاب الضعفاء والمتروكين للإمام أحمد بن على بن شعيب النسائي المتوفى سنة 303 ه تحقيق محمود إبراهيم زايد دار المعرفة بيروت.
سير أعلام النبلاء للذهبي\ موقع يعسوب.
موقع منتديات نصرة الرسول.
وانظر ترجمته في :المنتظم: 6 / 132 131، الكامل في التاريخ: 8 / 96، وفيات الأعيان: 1 / 78 77، تهذيب الكمال: 1 / 25 23، تذهيب التهذيب: 1 / 12 / 1، تذكرة الحفاظ: 2 / 701 698، العبر: 2 / 124 123، دول الإسلام: 1 / 184، الوافي بالوفيات: 6 / 417 416، مرآة الجنان: 2 / 241 .